طباعة البريد الإلكترونى

 

ملـف اللغة العربية
لوحة راقصات للفنانة العراقية وسماء الاغا

- الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام أم من الجزيرة العربية؟!

- معلومات عن تاريخ اللغة العربية                    اعداد: سهاد آيدن

- نشأة الخط العربي في الانبار                                د. ليث شاكر محمود رشيد

- أشهر الخطاطين العراقيين

- المدارس النحوية في الكوفة والبصرة وبغداد اعداد: ليلى حنا

- دور الترجمة من السريانية في تطوير اللغة العربية          اعداد: زاهية النجفي

الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام*

أم من الجزيرة العربية؟!

العالم العربي

 

*ملاحظة: نرجو مراجعة هوامش وملاحظات هذا القسم في نهاية هذا الملف

 

الرؤية القومية العروبية في دراسة التاريخ

 

من الناحية الموضوعية والانسانية، ان هذه الاشكالية تبدو ثانوية وغير مهمة، لأن كل شعوب الارض أتت من أماكن مختلفة واستقبلت هجرات مختلفة وامتزجت مع شعوب وجماعات مختلفة..

لكن مشكلة (كتابة التاريخ) انه من أكثر المجالات استخداماً في السياسة. فأن الشعوب مثل الافراد، تعيش حاضرها بالاستناد على شخصيتها التي تكونت خلال ماضيها. كما يقول علم النفس، ان علاقة الانسان بماضيه تحدد علاقته بحاضره ومستقبله. كذلك يصح القول بأن علاقة الشعب بتاريخه تحدد علاقته بحاضره ومستقبله.

اذا أردت أن تسيطر على شعب يكفيك أن تقنعه بأن تاريخه تابع لك. وإذا أردت تقسيمه، يكفيك أن تقنعه انه في تاريخه كان مقسَّماً. بل يمكنك أن تصنع وطناً وشعباً من لا شيء اذا نجحت أن تصنع تاريخاً خاصاً به، و(اسرائيل) أوضح مثال على ذلك! ثم ان التاريخ سلاح خطير لا يمكننا أبداً أن نتعامل معه بحيادية وبرود، فإن لم تسارع الى الاستيلاء عليه واستعماله وكتابته لصالح وطنك، فأن هنالك مختلف القوى الاقليمية والدوليه تعمل ليل نهار لكي تستولي على تاريخك من أجل كتابته بما يكفل مصالحها ويبرر إضعاف بلادك والسيطرة على شعبك.

لهذا فان مسألة (ما هو الموطن الاصلي للساميين والعرب)، قد تبدو ثانوية من الناحية المعرفية، إلاّ أنها للأسف تعتبر من أخطر الاشكالات التاريخية التي تم استخدامها سياسياً في العراق خصوصاً وكذلك في بلدان الشام. ان هذه المسألة قد استخدمت بنفس الوقت، من قبل التيارات العروبية والتيارات المعادية لها. يكفي القول ان الفكرة العروبية القائلة بأصل العرب من الجزيرة، قد استفادت منها الصهيونية الى حد كبير بطرد الفلسطينيين من بلادهم لكي: (يرجعوا الى الجزيرة العربية موطنهم الاصلي)! وكيف استخدمت هذه العروبة في العراق بخلق عقدة نفسية واجتماعية خطيرة ودائمة لدى العراقيين حتى لدى الرافضين للعروبة، بأن أي منهم لكي يثبت عراقيته عليه أولاً أن يثبت ان أصل أجداده يماني أو حجازي أو نجدي!!

بل بلغت المازوشية والتعصب العروبي الى حد نفي وجود أوطاننا تاريخياً من أجل تقديس الاصل الجزيري. فها هو أحد متعصبي العروبة الباحث اللبناني المعروف (كمال الصليبي) ينفي صراحة وجود العراق بل يعتبره جزءاً من ايران، إذ يقول حرفياً في مقابلة مع جريدة السفير: ((ليس هناك ما يسمى عراق في الجغرافيا التاريخية. (العراق) اسم كان يطلقه العرب على المناطق الجنوبية لما يسمى اليوم عراقاً. العراق كانت تطلق على الوديان والأراضي الخصبة أو ما سمي أرض السواد. في الجغرافيا التاريخية نهر الفرات هو أحد حدود الجزيرة العربية لناحية الشمال الشرقي. نكمل في الصحراء بعد الفرات إلى أن نصل إلى دجلة التي هي مصب الأنهر التي تنبع من جبال زاغروس في إيران. يعني كأن دجلة ساحل بحر، لكنه ليس كذلك، هو نهر. العراق إذاً من الناحية الجغرافية التاريخية هو جزء من بلاد فارس، أي الجزء الغربي لما يسمى اليوم إيران. وعندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية وصل فوراً إلى نهر الفرات، وكان الفتح يسيراً)). ([1])

لهذا نقول لأخوتنا في الجزيرة العربية، اننا في بحثنا هذا لا نبتغي أبداً الاستهانة بهم والتنكر لعلاقاتنا الانسانية والتاريخية والثقافية وحتى الاقوامية بهم. ان القول بأن أهل الجزيرة أصلهم من المشرق العراقي الشامي، وليس العكس، لن يغير نوعية علاقتنا بهم. في كلتا الحالتين نتفق على اننا من أصول تاريخية وأقوامية مشتركة. ثم ان هذه القناعة التاريخية الجديدة لن تؤثر على علاقة شعوب الجزيرة بهوياتهم الوطنية، بل يقيناً ستمنحها بعض العمق التاريخي الجديد، وفي نفس الوقت تقدم لنا نحن شعوب الهلال الخصيب، زخماً إيجابياً في علاقتنا مع هوياتنا وتواريخنا الوطنية.

من المعلوم ان أكثر مؤثرات التيار القومي العروبي تجلت في كتابة تاريخ العراق والشام (الهلال الخصيب). والسبب يعود الى ان غالبية مثقفي هذا التيار هم من أبناء المشرق العراقي الشامي. ان حجر الزاوية في الفكر العروبي هو (تقديس الجزيرة العربية) باعتبارها (موطن العرب التاريخي الاصلي)! لهذا فأن أي انسان أو تاريخ أو حضارة، لن تثبت عروبته القحة وأصالته النقية، إلاّ إذا ثبت بأن أصله ومنبعه من هذه (الجزيرة العربية المقدسة)! يبدو ان هذا الاصرار على تقديس الاصل الجزيري، لم يكن اختراعاً خاصاً بالنخب العروبية، بل هو تقليد للتيارات القومية التي تأسست في نهايات القرن التاسع عشر. إذ ساد حينذاك نوع من (الرومانسية الشوقية) لتقديس (وطن بعيد ضائع). وقد تجلى هذا في (التيار القومي التركي) بتقديس ذلك (الوطن الطوراني الآسيوي البعيد). كذلك الحركة القومية اليهودية (الصهيونية)، التي قدست (الارض الموعودة ـ فلسطين) ذلك الوطن الضائع. وقد قام بالتنظير لهذا الميل العروبي الجزيري مؤسسي التيار الاوائل وكلهم من أصول شامية: جورج أنطونيوس وقسطنطين زريق وساطع الحصري وزكي الارسوزي وميشيل عفلق.

وقد تعزز هذه الميل العروبي بتقديس (الاصل الجزيري) بالميل العام السائد لدى النخب العراقية الشامية بالبحث عن أي (انتماء خارجي)، بسبب معاناتها التاريخية من فقدان الثقة بالذات الوطنية. وفي أعوام الخمسينات والستينات من القرن الماضي، غدت (مصر الناصرية) هي قبلة العروبيين في العراق والشام. بل ان عقدة التبعية للخارج كانت أيضاً سبباً لانتشار التيارات الشيوعية والحداثية التي قدست روسيا والصين واوربا الغربية. يقيناً لو كان هؤلاء اليساريين والحداثيين قادرين، لأشاعوا بأن العراقيين والشاميين أصلهم من اوربا.. نعم انها عقدة احتقار الذات الوطنية والبحث عن أصل خارجي!!

تحت تاثير هذا المفهوم العروبي قام المؤرخون بتسليط الضوء فقط على الفرضية القائلة بالاصل الجزيري للشعوب السامية، ومنهم العرب طبعا.وقد بلغ هذا الميل ذروته باستخدام تسميات (الشعوب العروبية) و(الشعوب الجزيرية)بدلاً من (الساميين)([2]) وآخر تعبيرات هذا الميل العروبي هي طروحات اللبناني (كمال الصليبي) القائل بأن (التوارة جاءت من جزيرة العرب). وهو يعتمد أساساً على حجة وجود أماكن في الجزيرة تحمل مسميات هي ذاتها المسميات الواردة في التوراة. وبسبب عقيدته العروبية، فانه لم يفكر بأن وجود أماكن في الجزيرة العربية تحمل نفس أسماء أماكن أخرى في الشام، تدل بكل بساطة على ان المهاجرين الشاميين الى الجزيرة قد اطلقوا هذه التسميات، وليس العكس. لكن باحثنا قام بارجاع الاصل الى الفرع، بدلاً من ارجاع الفرع الى الاصل.

الهلال الخصيب والبادية العراقية ـ الشامية

 

أصل الشعوب السامية

 

قبل التطرق لموضوع (أصل العرب)، لنعرف (أصل الساميين) الذين يعتبر(العرب) جزءاً منهم.

ان المتمعن جيداً بما كتبه الباحثون المتخصصون في هذا الموضوع يكتشف ان هنالك عدة فرضيات عن أصل الساميين من ضمنها واحدة فقط تقول بأن أصلهم يعود الى (الجزيرة العربية):

((فبعضهم يزعم أن المهد الأصلي للساميين انما هو أرض أرمينية (القفقاس) وبعضهم يقول أن هذه المنطقة هي المهد الأصلي للأمم السامية والأمم الآرية جميعاً ثم تفرعت منها جموع البشر في أرض الله الواسعة. وللتوراة نظرية خاصة عن أقدم ناحية عمرها بنو نوح وهي أرض بابل وقد تكون هذه النظرية أقرب الى الحقيقة فقد أثبتت البحوث التاريخية أن أرض بابل هي المهد الأصلي للحضارة السامية. وقد أيد العالم (جويدي) هذه النظرية في رسالة يقول فيها إن المهد الأصلي للأمم السامية كان في نواحي جنوب العراق على نهر الفرات وقد سرد عدداً من الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية من العمران والحيوان والنبات وقال أن أول من استعملها هم أهل تلك المنطقة ثم أخذها عنهم جميع الساميين. ([3])

أما الباحث السوري القدير (فراس السواح) فأنه يعتبر نظرية (الاصل الجزيري للساميين) قد (غدت بالية وبحاجة الى اعادة نظر، وان أكثر المدافعين عنها بدأ يتخلى عنها) منذ المكتشفات ألاثرية الكبرى التي حدثت في أواسط القرن العشرين([4]). كذلك الباحث الفرنسي (جورج رو) يقول: (ان هذه النظرية أصبحت ملغية بالنسبة لجميع المختصين)، بسبب الغاء تلك الفكرة السابقة بأن الجزيرة العربية كانت خضراء مقطونة بالناس قبل أن تتصحر ويهاجر سكانها الى الشمال، حيث دلت أبحاث السنوات الاخيرة بأنها كانت منذ القدم متصحرة، وان الاماكن الوحيدة التي ظلت قابلة لسكن البشر هي المحاذية للبحار، سواحل الخليج والبحر الاحمر واليمن. وان عدم استخدام الجمل حتى عام 1200 ق.م كان يجعل التنقل لفترات طويلة عبر الصحاري القاحلة أمراً مستحيلاً. لهذا فأنه من المعقول جداً أن يكون الساميين هم أبناء الهلال الخصيب الاصليين، حيث في هذه المنطقة دلَّت جميع آثارهم ودلائل تواجدهم منذ فجر التاريخ([5]).

ان الهلال الخصيب ظل مأهولا بالبشر منذ عشرات الآلاف من الاعوام، وفيه نشأت أولى المستوطنات الزراعية منذ الالف التاسع ق.م وظهرت معالم الحضارة في الالف السادس ق.م في حسونة وسامراء وحلف والعبيد واوروك وجمدة نصر([6]).

بالحقيقة اننا لسنا بحاجة للبحث عن أصول خارج منطقة الهلال الخصيب لهذه الشعوب السامية، للسببين التاليين:

1ـ ان اول ظهور في التاريخ لهذه الشعوب ولغتها وحضارتها، حدث في منطقة المشرق([7]). في العراق والشام أسس الساميون أولى الحضارات في تاريخ البشرية (بجانب الحضارة المصرية) في الالف الثالث قبل الميلاد. بالنسبة لسوريا فأن (ايبلا) أول حضارة فيها وكانت منذ البدء ناطقة بالسامية. بنفس الحقبة ظهرت أول حضارة عراقية، رغم انها كانت ناطقة بالسومرية إلاّ أن الآثار والمصادر تدل على ان الساميين الاكديين كانوا منذ البدء من المشاركين بها أيضاً. بل هنالك فرضية بأن السومريين والساميين كانوا من نفس العنصر، حيث دلت البحوث الاخيرة على تشابه تام بينهم في الشكل والدين والحضارة.وان زيادة السكان المفاجئة في هذه الحقبة في الجنوب العراقي كشفت عن وصول هجرات من الشمال العراقي السوري، وربما أيضاً من الاحواز([8])

2ـ في جميع المصادر والآثار التي خلفها هؤلاء الساميين لم يتم العثور على أية اشارة أو دليل على قدومهم من الجزيرة العربية، ولا حتى من أية منطقة أخرى في العالم. أما بالنسبة لتوصل العلماء الى وجود علاقة بين (اللغة السامية) و(اللغة الحامية) في مصر الفرعونية وبربر شمال أفريقيا، بحيث أطلق عليها تسمية (عائلة اللغات السامية ـ الحامية)، فان هذا ناتج عن علاقات عرقية قديمة، بسبب نزوح قبائل بربرية من شمال أفريقيا الى مصر ثم الى الهلال الخصيب، بعد الجفاف الكبير الذي حدث هناك في الالف السادس والخامس ق. م([9]). هذا لا يعني أبداً بأن الساميين قد نزحوا من شمال أفريقيا، بل يعني بأن مهاجرين من شمال أفريقيا قد اختلطوا بهم، بالاضافة الى هجرات عديدة بين المشرق والمغرب طيلة آلاف الاعوام، سواء عن طريق البوادي المتصلة أو عن طريق السواحل، (مثال هجرات الفينيقيين الى شمال أفريقيا)، أدت الى تمازجات عرقية وثقافية ولغوية.

لهذا يمكننا الغاء تلك العبارة المكررة التي نقرأها عن (نزوح الساميين الى العراق والشام)، فهم أبناء الهلال الخصيب ولم ينزحوا لا من الجزيرة العربية ولا من أي مكان آخر. لكن هذه المنطقة بسبب موقعها الوسطي بين اوربا وآسيا وافريقيا، استقبلت عبر التاريخ الكثير من الهجرات السلمية والحربية، من هذه القارات المحيطة، غالبيتهم ذابوا وأصبحوا جزءاً من الناطقين بالسامية، وبعضهم القليل حافظ على تمايزه الاقوامي حتى الآن، مثل التركمان والاكراد والارمن والشركس والافارقة..

الساميون الاوائل

تتفق جميع المصادر على ان أقدم وجود توثيقي عثر عليه حتى الآن للناطقين بالسامية، هو في الهلال الخصيب. طيلة التاريخ القديم للعراق والشام، في كل حقبة تظهر مجموعة سامية جديدة تسيطر على الواجهة السياسية والحضارية خلال حقبة كاملة قد تدوم ألف عام أو أكثر. ان من الاخطاء الكبرى التي ورثها المؤرخون والمنقبون الذين كتبوا تاريخنا، انهم تبنوا (الرؤية التوراتية) التي تتحدث عن (شعوب: أكدية وآشورية عمورية وكلدانية، وكنعانية وفينقية وآرامية.. الخ.. )، بينما في الحقيقة هم جماعات أو تحالفات قبائلية أو سلالات، تنتمي لنفس الاصل الاقوامي واللغوي والحضاري السامي. لوأخذنا مثال من الحقبة العربية الاسلامية، هل يصح الحديث عن الشعوب: الراشدية والاموية والعباسية والعلوية والفاطمية؟! فهي مجرد تحالفات قبائلية أو سياسية أو مذهبية تسيطر على الاوضاع في حقبة معينة، وهي تنتمي الى ذات الاصل الاقوامي والحضاري واللغوي العربي الاسلامي.

ان الموجة السامية الاولى هي (الاكدية ـ الكنعانية). نحن نفضل الحديث عن (ظهور) وليس (قدوم أو نزوح)، لأن المقصود بأن في هذه الحقبة بدأوا يظهرون في النشاط السياسي والحضاري، رغم انهم موجودين منذ القدم. في العراق بسط الاكديون نفوذهم السياسي نحو (2350ق.م) بقيادة زعيمهم (سرجون الأكدي) الذي شكل أول امبراطورية وحدت المشرق كله.

حتى وقت قريب لم يكن أحد يظن ان هنالك في سوريا حضارة واضحة قبل الالف الثاني ق.م. وهي حضارة (اوغاريت). لكن اكتشاف مدينة (ايبلا) قرب حلب، عام 1975 قد بين ان الوجود السامي الحضاري في سوريا يضاهي مثيله في العراق. تعد لغة إيبلا أقدم لغة وصلت إلينا مكتوبة (بالخط المسماري العراقي)، حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة التي جرت العادة على تسميتها بالكنعانية، فضلاً عن هذا انها تشبه العربية في بعض النواحي، فمثلاً نجد فيها كلمات مثل (كتب) و(ملك) و(يد)..

علماً، بأن داخل هذه الموجة المتفرعة الى أكدية وكنعانية، ثمة موجات وتفرعات داخلية عديدة، لكن ظلت مجتمعة مع الاكدية والكنعانية في الوحدة اللغوية والحضارية. ففي الجانب الاكدي العراقي، ظهرت موجة التحالف القبائلي (العموري) القادمة من بادية الشام، والذين أسسوا ما سمي بالسلالة البابلية الاولى. كذلك ظهرت السلالة الآشورية في شمال العراق. لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة بنفس اللغة (الاكدية) والحضارة والدين. كذلك بالنسبة للشام، فبالاضافة الى ايبلا ثم اوغاريت، ثم الجماعات الفينيقية في الساحل، وربما بعض الجماعات الاولى من العبرانيين (الغابيرو) الذين جاورا من سبقهم من الكنعانيين في فلسطين. لكن كل هذه الجماعات المختلفة بقيت محتفظة باللغة الكنعانية مع اختلاف اللهجات والوحدة الحضارية.

 

البادية العراقية ـ السورية موطن الآراميين ثم العرب

 

 

قرية في البادية السورية، لاحظ نمط البناء الغريب والعريق جداً في قدمه!

هذه البادية الجبارة، تم تجاهل دورها التاريخي في التكوين العرقي واللغوي لمنطقة الهلال الخصيب. بل انه حتى عندما يضطر المؤرخون (العروبيون خصوصاً) الى التطرق لدورها، فانهم يعتمون عليها بتسميتها (شمال الجزيرة)!! بينما هي منفصلة عملياً عن الجزيرة من ناحية التكوين البيئي والارتباط المباشر الطبيعي والسكاني بالعراق والشام.

ان سبب هذا التعتيم المتقصد على أهمية بادية الشام، يعود لأسباب عروبية قومية لكي يتم تمرير (نظرية الاصل الجزيري للشعوب السامية). هذه البادية يطلق عليها حالياً مختلف التسميات: (بادية الشام) (بادية السماوة ـ الشام)، (البادية العراقية ـ السورية). لكن يبقى أهم أسمائها التاريخية القديمة، تسمية (عربايا)، وهي تسمية مشتقة من (غربا) أطلقها الاكديون العراقيون على هذه البادية لأنها تقع غرب العراق، حيث لا يزال اسمها الشائع (البادية الغربية أو بادية السماوة).

يكفي أن نعرف ان مساحة هذه البادية أكثر من نصف مليون كم مربع، أي تساوي مساحة بلد كبير مثل العراق. فهي تضم أكثر من نصف أرض العراق وسوريا بالاضافة الى الاردن. وهي تقع على امتداد الضفة الغربية لنهر الفرات. انها تشكل مثلثاً رأسه قرب (حلب) وقاعدته تمتد من ساحل خليج العقبة الاردني، هبوطاً حتى سواحل البصرة والكويت. هذه البادية الكبيرة تحاط من الشرق والشمال بـ (هلال خصيب) يشمل أرض النهرين والساحل الشامي وينتهي في صحراء سيناء. هذه البادية تختلف عن صحارى الجزيرة العربية التي تحدها جنوبا، بكونها (بادية) وليست (صحراء)، أي انها ليست رملية قاحلة تماماً، بل أرضها صلبة وتنتشر فيها الكثير من الحيوانات والاعشاب البرية الصالحة لرعي الماشية، حيث ان معدل الأمطار سنوياً يقدر بحوالي 127 مم. لهذا فأن القبائل التي تنتشر فيها ليس بدوية بصورة كاملة، بل هم (رعاة وشبه رعاة) البدو الرحل الذين يعتمدون على الماشية والابل. ومن هذه القبائل حالياً: (عنزة والفدعان والحسنة) وغيرها، كذلك قلة من قبائل (العقيدات والنعيم وبني خالد والحديديين وشمر) وغيرهم.

هذه البادية ليست فقيرة وليست مجرد سهول رتيبة، ولا تلال جرداء، إنما تضم جبالاً شاهقة وتلالاً عالية وأودية متنوعة منها الصخرية ومنها الترابية ومنها الرملية بعضها عميق كأنما جدرانه جبال شاهقة وبعضها عريض كأنما هي مجاري أنهار قديمة وبعضها سيلات ضيقة أو واسعة تظل خضراء تحفل بالحياة معظم أيام السنة.‏ وهي ليست فقيرة بالمياه، فهناك الأودية الكثيفة التي تتجمع فيها مياه الامطار. وهي غنية بالثروات الباطنية التي تتمثل بالنفط والغاز والفوسفات والإسفلت والرمال الملونة بأشكال متعددة.
وهي تحتوي على الكثير من المناطق والتلال الاثرية وكهوف ومغارات، منها الكهوف الصنعية الأثرية والمدافن الأثرية ومنها الأودية الممتدة تحت الأرض مثل شبكة مياه متكاملة. وفيها حصون وقلاع ومعابد وقصور ومدن تاريخية شهيرة، مثل تدمر (ملكتها الشهيرة زنوبيا) في سوريا، ومملكة البتراء في الاردن
([10]).

 

 

ظهور الموجة الآرامية

 

 

عرب البادية

 

ان سكان البادية الغربية يقطنون فيها منذ فجر التاريخ، وهم شبه رعاة، وعلى علاقة مستمرة بأهل الحضر والمزارعين. حتى نهاية الالف الثاني السابق للميلاد ظلت تنقلاتهم وقدراتهم الحربية محدودة بسبب عدم وجود الجمال حينذاك، بل كانوا يستخدمون الحمير. كانوا يضخون العراق والشام بهجرات بين حين وآخر، لكنها ظلت محدودة ومنفصلة بفترات زمنية بعيدة. ان أول الهجرات المعروفة من هذه البادية الغربية الى العراق هي هجرة (الاموريين ـ 2200 ق.م) وهي تسمية سومرية تعني (الغربيين) أي القادمين من البادية الغربية. ويبدو ان تسمية (مدينة ماري) في أعالي الفرات مشتقة أيضاً من معنى (الغرب)، وتسمية (مارـ تو) تعني (منطقة الغرب). وربما كان العبرانيين (الخابيرو) من ضمن هذه الموجة العمورية التي اتجهت ناحية فلسطين. تقول قصيدة باللغة السومرية من تلك الحقبة بوصف هؤلاء البدو:

((الاموري، السلاح رفيقه / لا يعرف الخضوع / يأكل لحماً غير مطبوخ / وفي حياته لا يملك بيتاً / ولا يدفن رفيقه اذا مات / لكنه الآن يملك بيتاً، ويملك حبوباً..))([11]).

في أواخر الالف الثاني أي بعد انتشار استعمال الجمل كأعظم واسطة نقل في الصحراء ذلك الحين، بدأت الهجرات تتكثف وتصبح أكثر قوة وجرأة على اقتحام المناطق الحضرية والمدن. وكان من أول وأكبر هذه الهجرات الكبرى هي القبائل ألارامية التي تفرعت منها القبائل العربية (كما سنبين)([12]).

ان ظهور الاراميين في أواسط الالف الثانية ق.م يعتبر من أخطر الموجات السامية التي نقلت الهلال الخصيب بل أيضاً الجزيرة العربية الى مرحلة تاريخية جديدة تماماً. يبدو ان انطلاق موجة النزوح من البادية يعود الى حالة الجفاف التي عمت المنطقة بين 1600 و1200 ق.م، فأخذت المناطق الهامشية في سوريا وفلسطين تخسر سكانها، وحدثت تنقلات وهجرات نحو البوادي بحثاً عن مناطق افضل، وبعضها انحدرت نحو الجزيرة العربية([13]).

ويكمن سر قوة هذه الموجة الآرامية انها امتلكت أعظم مكتشفين حضاريين في تلك الحقبة: الجمل والابجدية!! الجمل ساعدهم على التنقل والسيطرة العسكرية، والكتابة الابجدية ساعدتهم على السيطرة اللغوية والثقافية.

ان استخدام الجمل بدلاً من الحمير كوسيلة للتنقل مكنت هذه القبائل السامية التي كانت مكتفية بحياتها في بادية الشام، ان تتجرأ وتنتشر في مختلف الاتجاهات، نحو ضواحي ومدن العراق والشام، ولكن أيضاً وهذه هي الثورة الجديدة: انها تجرأت لأول مرة في التاريخ أن تقتحم صحارى الجزيرة العربية وتتوغل خصوصاً جنوباً نحو الحجاز حتى اليمن.(سوف نفصل هذا بعد قليل)([14]).

لقد اثر هذا التحالف القبائلي الجديد كثيراً في التكوين العرقي واللغوي لسكان النهرين في القرون الاخيرة قبل نهاية بابل في القرن السادس ق.م، أي في السلالة ألآشورية ثم الكلدانية. كذلك نجح الآراميون بتأسيس بعض الامارات والدويلات في سوريا، ومنها (دولة آرام دمشق) الشهيرة في القرن التاسع ق.م . كذلك بعض الدويلات العبرانية في فلسطين، مثل (يهودا واسرائيل).

أما بالنسبة للابجدية، فقد استفاد الآراميون من (الابجدية الكنعانية) المكتشفة حديثاً، لكي يدونوا (لهجتهم) ولتصبح مع الزمن وبفضل الابجدية لغة خاصة متميزة تنتشر في أنحاء العراق والشام، وتهضم اللغتين الاكدية في العراق والكنعانية (من ضمنها العبرية) في بلدان الشام، اللَّتان فقدتا حظوتهما بسبب اعتمادهما على الكتابة المسمارية التي أصبحت متخلفة بعد شيوع الابجدية. ثم ارتفع أكثر شأن ألآرامية بعد انتشار المسيحية، حيث ان لغة المسيح كانت هي الآرامية، وهي أيضا لغة الانجيل والكنائس والطقوس، وقد اتخذت تسمية جديدة هي (السريانية). ان قبائل هذه الموجة حملت تسمية (آراميين)، ربما تعني (سكان المرتفعات) حيث كلمة (آرم، ورم، مرتفع)، ولكن هنالك من يربط بين تسمية (ارم، وارب أي عرب)، أي سكان عربايا (البادية الغربية). ان هذا الابدال بين حرفي (م) و(ب) وارد في العربية، فقد ورد اسم (مكة) بلفظ (بكة) في قوله تعالى في سورة {آل عمران/96} : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. كذلك هنالك أمثلة عديدة، منها ان كلمة (زمان) العربية هي نفسها (زبانو) السريانية. أما تحول حرف (ع) الى (همزة)، فيكفي أن ننظر الى انه ليست صدفة انه تكتب الهمزة مثل حرف (عـ) الصغيرة، لأنهما نفس الاصل، وان الاكديين العراقيين كثيراً ما كانوا يستصعبون لفظ حرف (ع) ويحولوه الى همزة. وفي جنوب العراق يفعلون العكس، حيث يقولون (سوعال) بدلاً من (سؤال)..

لننظر الى اللغة الآرامية (السريانية) كيف تستخدم كلمة (عرب) ومشتقاتها: (عروبو= غروب) و(عروبتو= يوم الجمعة) أي نفس التسمية التي كان يستخدمها العرب قبل الاسلام، وتعني (اليوم النهائي) من الاسبوع. و(عرابو= العراب) أي الغريب من خارج العائلة الذي يكفل الطفل. و(عروبيو = الاعراب أي النحو) وتعني (غريب اللغة) (راجع أي قاموس سرياني عربي)([15]) ويمكن ان نذكر عبارة (اعرب عن مشاعره، وعبّر عن مشاعره)، بمعنى اخرج مشاعره، وهن كلمتان تذكران بـ (عرب وعبريون). وكلها معاني غربة وابتعاد، لوصف البدو الرحل المتنقلين.

 

الجزيرة والهلال

 

سكان الجزيرة العربية الاوائل ليسوا ساميين

 

رغم ان مناطق جنوب الجزيرة العربية وسواحلها كانت مأهولة بالسكان منذ آلآف الاعوام إلاّ أنه حتى الآن وفي كل انحاء الجزيرة العربية لم يعثر على أي أثر أو كتابة يدل على وجود (جماعات ناطقة بالسامية) قبل الالفية السابقة للميلاد، حيث ظهرت أقدم حضارات اليمن (الدولة السبئية) وهي اولى الحضارات في الجزيرة وناطقة بلغة سامية. وهذا يعني ان أول ظهور سامي واضح في الجزيرة قد تأخر عن مثيله في الهلال الخصيب أكثر من ألفي عام!ان التاريخ الشعبي العربي يحدثنا عن وجود ثلاث طبقات متعاقبة تاريخياً من سكان الجزيرة العربية :

(العرب البائدة)، وهمأقدم الطبقات وقد سموا كذلك لانهم أبيدواوطويت صفحات تاريخهم. ثم (العرب العاربة) او العرباء او القحطانيون وهم عرب الجنوب او اليمن. ثم(العرب المستعربة) وهم العدنانيون،بنو اسماعيل بن ابراهيم الخليل وهم عرب الشمال أي الحجاز.

بغض النظر عن مدى جدية هذه الحكايات الشعبية، إلاّ أنها قد تعبر عن بعض الحقائق التاريخية المخفية، مثل جميع الحكايات والاساطير. يبدو ان تشكل العرب كجماعة عرقية ولغوية يشبه الى حد بعيد تشكل غالبية الجماعات العرقية الكبرى في العالم، أي انه نتيجة تراكم عدة طبقات عرقية كل منها تكونت فوق السابقة واستوعبتها. أو مثل البحيرة التي تجتمع فيها مياه عدة سواقي وأنهار وأمطار، لتشكل مياهاً موحدة. بالنسبة لسكان الجزيرة العربية  فهنالك ثلاث طبقات:

الطبقة الاولى (العرب البائدة)، وهم السكان الاصليين الاوائل: تخمن البحوث ان السكان الاوائل للجزيرة ما كانوا من الساميين (أشكال البحر المتوسط)، بل من الجنس الاسمر المماثلين لسكان سواحل المحيط الهندي. اذا تتبعنا الشريط البحري الممتد من سواحل الهند مروراً بسواحل ايران وسواحل البصرة والخليج العربي حتى اليمن، فاننا نلاحظ سيادة جنس أسمر واحد يمكن تسميته بـ (جنس المحيط الهندي)، رغم كل تنوعهم الاقوامي : هنود وبلوش وفرس وعرب([16]). هذا الجنس هو الذي شكل الطبقة الاولى من سكان جنوب الجزيرة العربية، ولكن لم يتمكن من ترك أية آثار حضارية وكتابية، لأنه ظل يعيش في العصر الحجري حتى الالف السابق للميلاد، أي حتى قدوم الساميين. وهم قد (ابيدو) ليس بالمعنى البدني، بل بالمعنى الحضاري. فهذا الجنس الاسمر يلاحظ وجوده بكثرة في جنوب وسواحل الجزيرة، وبعضه ممتزج بجنس البحر المتوسط السامي الابيض.

الطبقة الثانية (العرب العاربة)، وهم الجماعات السامية الاولى القادمة من الهلال الخصيب. خلال الفي عام من ظهور الحضارة في العراق والشام، ظل التواصل مع الجزيرة العربية محدوداً بسبب عدم اكتشاف الجمل الذي من دونه كان من الصعب اقتحام صحارى الجزيرة العربية.لهذا فأن البحر ظل وسيلة الاتصال الوحيدة بين الساميين في الشمال وسكان الجزيرة. فمن ناحية الخليج ظل العراقيون والكنعانيون الشاميون على تواصل مع سواحله وأسسوا لهم قواعد بحرية ومستعمرات تجارية عديدة في البحرين وقطر وعمان حتى اليمن. بالنسبة لـ (قطر) انها كانت مأهولة بالسكان منذ الألف الرابع قبل الميلاد، ولها علاقة مباشرة مع الحضارة العبيدية في جنوبي العراق. كذلك إن الكنعانيين أول من سكن قطر في مطلع تاريخها الحضاري في الفترة 825-484 ق.م، بل ان تسميتها نفسها كنعانية! أما بالنسبة لـ (عمان) فأن السومريين أسسوا لهم قواعد تجارية فيها، وأطلقو عليها تسمية (مجان) أو جبل النحاس. وقد وردت عمان تحت هذا الاسم (مجان) في مئات النصوص العراقية بالخط المسماري. ويبدو أن الفينيقيين كان لهم وجود على ساحل عمان وأجزاء من الخليج العربي ومنهم من كان في الفجيرة وخور فكان وصور العمانية. كما كانوا في البحرين وجزيرة تاروت السعودية حيث قيل أنها سميت هكذا تبعاً لإلهة الفينيقيين عشتاروت بمعنى (عش تاروت) أو بيت تاروت. كذلك (البحرين) الذي ذكرت باسم (دلمون) في الاساطير العراقية([17]) . ان الدور العراقي والكنعاني في نقل العنصر والثقافة واللغة السامية (الاكدية والكنعانية) الى الجزيرة يتضح من خلال الناحية التالية: ان أول الحضارات المعروفة التي نشأت في الجزيرة (الحضارة السبئية) في اليمن، حوالي الف سنة قبل الميلاد. أي بعد أكثر من الفي سنة من حضارة العراق وسوريا. وقد استغرب العلماء من انتقال اليمن فجأة من العصر الحجري الى عصر البناء والكتابة من دون أي تطور معقول، وهذا يعني قدوم شعب متحضر الى اليمن ساهم بهذه النقلة السريعة. على هذا الاساس يعتقد ان السبئيون في نظر الكثير من العلماء جاءوا الى اليمن من الشمال (العراقي ـ السوري). فالدكتور فرتزهومل يقول : ان الفترة السابقة لتاريخهم الحقيقي بدأت خارج اليمن، ويرجح هذا الوطن الخارجي أنه كان في الأصل في شمال بلاد العرب. ومثل هذا سبق أن أوصى به سترابر حين ربط  بين الأنباط والسبئيين لكونهم أول من سكن العربية السعيدة. وتمشياً مع هذا الرأي اقترح الأستاذ و. ف. البرايت تاريخاً لهجرتهم حوالي 1200 ق. م ذاهباً في نفس الوقت إلى أن هجرتهم تلك تأتي بعد هجرة القبائل الأخرى (معين وحضرموت وقتبان) والتي حدثت في تقديره حوالي 1500 ق. م([18]).

لهذا يمكن القول ان حضارة ولغة اليمن القديمة، التي تعتبر احدى أصول اللغة العربية، هي بالحقيقة مزيج من لغة الشعب (الاسمر) الاصلي المجهولة التاريخ مع اللغة الاكدية والكنعانية التي جلبها المهاجرون الشماليون.

الطبقة الثالثة، (العرب المستعربة) وهي الهجرة (الآرامية) الكبرى التي أتت من الشمال العراقي الشامي، بعد شيوع استخدام الجمل. في هذه الحقبة شرع خصوصاً سكان بادية الشام (العراقي السورية) يتجرأون أكثر على الخروج من باديتهم ويسيحوا بقبائلهم نحو حواضر العراق والشام. بل بلغت بهم الجرأة انهم راحوا يغوصون جنوباً في صحارى الجزيرة العربية، نحو سواحل الخليج وواحات الحجاز ليؤسسوا اولى معاقل الاستيطان، مثل (يثرب) و(مكة). وليس بالصدفة ان هاتين المدينتين واقعتين على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة مع الشمال العراقي الشامي. ان البادية الغربية العراقية السورية، مع اكتشاف الجمل أخذت تطلق بسهولة أكثر الموجات من المهاجرين الذين راحوا يستعينون بالجمال بالتنقل وفي السيطرة الحربية.

ان فرضية هجرة الساميين من الشمال، يفسر لنا هذا الفرق (الاجناسي ـ الشكلي) الواضح بين نوعين من الاجناس: غالبية سكان شمال ووسط الجزيرة (أشكال البحر المتوسط الفاتحة البشرة) وهم (العرب المستعربة) أو القيسيين ـ المضريين ـ الاسماعيليين القادمين من المشرق. ثم غالبية سكان الجنوب والسواحل ذوي البشرة السمراء وشكل المحيط الهندي، وهم السكان الاصليين والذي اطلق عليهم تسمية (العرب البائدة).

 

العرب الاوائل

 

الحقيقة المهمة المعتم عليها عروبياً رغم انها متداولة في جميع المصادر التاريخية: ان سكان اليمن الناطقين بالسامية (السبئية والمعينية والحميرية)، قبل ظهور الأسلام، (ليسوا عرب)، لا بالمعنى العرقي ولا بالمعنى اللغوي والثقافي. فهم لم يحملوا (تسمية عرب) طيلة تاريخهم المعروف، بل حتى كلمة (عرب) لم تكن متداولة لديهم، ثم ان لغتهم بعيدة عن العربية الفصحى، بعد اية لغة سامية مختلفة، بل حتى خطهم الكتابي (المسند) رغم انه من أصل شامي كنعاني، إلاّ أنه ليس له أية علاقة بالخط العربي الذي تم اشتقاقة من الخط الآرامي العراقي (النبطي). ثم ان لغة اليمن (سامية جنوبية) وليست عربية. ان تسمية (عرب) الحقت بسكان جنوب الجزيرة العربية بعد ظهور الاسلام وانتشار اللغة العربية (الحجازية) والتعريب لدى اليمنيين، ونشأت تلك الاسطورة القائلة ان أهل الجنوب هم (العرب العاربة ـ القحطانيون)..الخ..

المصادر التاريخية تكشف لنا بأن تسمية (عرب) قد أتت أساساً من الهلال الخصيب وبالذات من العراق. ان أول من استخدم تسمية (عرب) هم العراقيون إذ أطلقوها على سكان (الغرب) أي (البادية الغربية) الشامية العراقية. حتى الآن يستعمل العراقيون تسمية (الغربية أو المغربية) على سكان أعالي الفرات، عكس (الشرقية أو الشروقية) أي سكان شرق العراق. ان تسمية (عربا، عربو) تعني سكان (عربايا) أي سكان البادية الغربية. من المعلوم ان حرفي الـ (ع) و(غ) تتبادل في اللغات السامية، فكان الاكديون يطلقون على (العبرانيين) تسمية (غابيرو)([19])وتعني (العابرين المتنقلين) أو سكان (الغبرا) أي البادية.

ان الذي يعزز نظرية ان أصل العرب من هذه البادية، ان أول ذكر لتسمية (عرب) في التاريخ، يعود الى وثيقة عراقية آشورية من القرن الثامن قبل الميلاد، مكتوبة على لسان الملك (شلمنصر الثالث 858-823 ق.م ) ويتحدث فيها عن غريمه زعيم احدى العشائر البدوية اسمه (جندب العربي). كذلك وردت في الكتابات البابلية جملة (ماتو اربي) Matu A-Ra-bi ،Matu Arabaai ومعنى )ماتو) (متو) أرض، فيكون المعنى (أرض عربي)، أي (أرض العرب)، أو (بلاد العرب)، أو (العربية)، أو (بلاد الأعراب) بتعبير اصدق وأصح. إذ قصد بها البادية، وكانت تحفل بالأعراب. وجاءت في كتابة (بهستون) بيستونBehistun لدارا الكبير )داريوس) لفظة (ارباية) عرباية Arabaya وذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة (الأخمينية)([20]).

أما في (التوراة) فقد وردت فيها كلمة (عربي) و (عرب) في التوراة، بمعنى البدوً. ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر (أشعياء): (ولا يخيم هناك أعرابي) و (وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين). نفس الحال بسفر (ارميا). وبعض الباحثين يعتبرون ان كلمتي (عبري) و(عربي)، بأصل واحد، تعني سكان البوادي المتنقلين([21]).

وقد وردت في التوراة تسمية (ها عرابة ha'Arabah (في العبرانية. والمقصود بها : )وادي عربة)، أي الوادي الممتد من البحر الميت أو من بحر الجليل إلى خليج العقبة. كذلك تعني لفظة (برابة) في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروقة، أي معاني ذات صلة بالبداوة والبادية. وقد أقامت في هذا الوادي قبائل بدوية شملتها لفظة (عرب). وفي تقارب لفظة (عرب) و (عرابة)، وتقارب معناهما، دلالة على الأصل المشترك للفظتين. ويعدّ وادي (العربة) وكذلك (طور سيناء) في بلاد العرب. وقصد بـ (العربية) برية سورية في (رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطة(. وأول من ذكر العرب من اليونان هو (أسكيلوس) في القرن السادس ق.م، وقال: انه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور. ثم تلاه (هيرودوتس) شيخ المؤرخين في القرن الخامس ق.م. وقد أطلق لفظة (Arabae) (عربيا) على بلاد العرب، البادية وجزيرة العرب والأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل. فأدخل (طور سيناء) وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب([22]). كذلك يمكن ذكر (فيليب العربي 204- 249 م) ذلك العسكري السوري من السويداء، الذي أصبح إمبراطور روما([23]).

ويمكن ذكر دليل بسيط من بين ما لا يحصى من الادلة عن الاصل ألآرمي المشرقي للعرب، ان المسميات الأساسية للجمل، هي من أصل آرامي: جملو= جمل // أبلثو= ابل // بعيرو = دابة ([24]) .

 

عرب

 

تسمية عرب في المصادر العربية

 

المسألة التي تستحق الانتباه، ان المصادر اليمنية التي تعتبر أولى الحضارات الكتابية في الجزيرة العربية، لم تشر ولا مرة الى أسم (عرب) طيلة أكثر من ألف عام أي حتى القرون الاخيرة قبل الاسلام (449م) (542م).. فكانت تطلق على نفسها تسميات عدة مثل سبأيين ومعينيين وحميريين وغيرها، إلاّ تسمية(عرب)! وهذا دليل كاف على ان تسمية (عرب) قد أتت من الشمال العراقي الشامي، حيث موطن العرب الاصلي ومنه اكتسبوا تسميتهم. والاكثر من هذا ان لغات اليمن تختلف عن اللغة العربية الشمالية التي انبثقت منها اللغة العربية، ولا تشترك معها إلاّ في كونها من اللغات السامية، وقد كان علماء المسلمين المتقدمين يدركون ذلك حتى قال أبو عمرو بن العلاء (770م) : (ما لسان حمير بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا). يضاف الى ذلك، ان (خط المسند) الذي كان سائداً في اليمن، رغم انه من أصول (كنعانية)، إلاّ أنه بعيد تماماً عن(الخط العربي) الذي اشتق من الخط النبطي ألآرامي العراقي.

في المصادر اليمنية المتأخرة بدأت ترد لفظة (اعرب) بمعنى (أعراب) ولم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو ومن حضر، فورد: (واعرب ملك حضرموت) أي (و أعراب ملك حضرموت)، وورد: (واعر ملك سبا)، أي (وأعراب ملك سبأ). وكالذي ورد في نص (أبرهة)، نائب ملك الحبشة على اليمن. مما يدل على أن لفظة (عرب) و (العرب) لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية وإن أهل اليمن لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة إلاّ بعد دخولهم في الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم، وتكلمهم باللغة التي نزل بها، وذلك بفضل الإسلام بالطبع. وقد وردت لفظة (عرب) في النصوص علماً لأشخاص. كذلك وردت لفظة (عرب) في عدد كبير من كتابات (الحضر): (وبحطر و عرب)، أي (وبالحضر وبالعرب) (ملكادي عرب)، أي (ملك العرب) وقد وردت اللفظة في كل هذه النصوص بمعنى (أعراب)، ولم ترد علماً على قوم. في (نقش النمارة) الشهير الذي عثر عليه في أحد القبور في سوريا من تاريخ 328 م، والذي يعود إلى (امرء القيس بن عمرو). والذي كان يحتوي على كتابة آرامية ولكن تحتوي على بعض المفردات العربية([25]).

هاتان الخارطتان توضحان كيف ان الدولة العراقية قبل شيوع (الجمل) كانت غير قادرة على بسط نفوذها على البادية، بل تقوم بحملات تأديبية. أما الدولة البابلية الأخيرة فبفضل (الجمل) قد فرضت نفوذها على البادية وواحاتها جنوباً حتى الحجاز، حيث جعلت من واحة التيماء عاصمة روحية

 

مدينة التيماء

 

هنالك تعتيم يبدو مقصوداً على الاهمية التاريخية الحاسمة لمدينة (التيماء) في الكشف عن دور البابليين في تكوين (العنصر العربي). صحيح ان علاقات العراق مع الجزيرة قديمة، إلاّ أنها تعمقت أكثر مع استخدام الجمل. وأصبحت هذه العلاقة ظاهرة ومتعددة الاشكال منذ حكم السلالة الآشورية في الالف السابق للميلاد من خلال البدو الاراميون الذين راحوا بالتدريج يصبحون جزءاً من الواقع الاجتماعي والسياسي لبلاد النهرين. وقد توالت بعد ذلك الاشارات الى حملات الملوك الآشوريين ومنهم سرجون الثاني (721- 705 ق.م) إذ يذكر في نصوصه بقيامه بدخول منطقة شمال غرب الجزيرة العربية وتسلمه هدايا الطاعة والولاء من القبائل العربية القاطنة في تلك المنطقة والتي كانت من بينها (ثمود) وقد استمرت سيطرة الآشوريين على مناطق شمال الجزيرة العربية في عهد كل من الملكين سنحاريب (705-681 ق.م) وآشور بنيبال (669-627 ق.م) بهدف فرض السيطرة المباشرة على المراكز التجارية فيها وهذا ما نستشفه من خلال النصوص المسمارية التي جائتنا من عهد هذين الملكين. وتذكر حوليات الملك الآشوري تجلاثبليزر الثالث (744-727 ق.م) انه قام بمحاربة مدن وقبائل الجزيرة مثل مساي (Masai) وتيماء (Temai) وسابيا (Sabaai) وخيافة (Haiapai) وبدانيا (Badania) وتسلم هدايا الطاعة والولاء منهم. وبلغت هذه العلاقات بين العراقيين وسكان الجزيرة في عهد السلالة الكلدانية في القرن السابع ق.م، والتي كانت سلالة آرامية، بحيث ان(نبونيد 556-539 ق.م) آخر ملك بابلي اتخذ من (التيماء) عاصمة روحية له. وتقع هذه المدينة ـ الواحة في شمال الحجاز وقريبة من بادية الشام على الطريق الذي يربط بين خليج العقبة والبتراء غرباً والخليج العربي شرقاً وتمر بها قوافل الراحلين من الشام والعراق ومصر الى اليمن في الجنوب على طريق مكة. وقد دامت اقامته فيها لفترة امتدت عشر سنوات حيث بنى لنفسه قصراً أشار اليه في نصوصه : (بأنه كالقصر الذي شيده نبوخذ نصر الثاني في بابل، وجعل تيماء مدينة زاهرة) ويقول هو:

(ولكنني أبعدت نفسي عن مدينة بابل على الطريق الى تيماء ودادانو وباداكو وخيبر واياديخو وحتى يثربو، تجولت بينها هناك مدة عشر سنين لم أدخل خلالها عاصمتي بابل). وأقام هذا الملك مستوطنات من الرعايا البابليين في تلك الواحات. ولهذا فقد أفرزت اقامة العاهل البابلي في تلك الواحة نتائج حضارية إذ انعكست التأثيرات البابلية على الاعمال الفنية التي تم الكشف عنها في هذه المدينة فيما بعد ومنها مسلة التيماء التي تبدو فيها الطرز الفنية للفخار البابلي واضحةً فضلاً عن التأثيرات الاخرى التي ظهرت في الآثار المكتشفة في تلك المدينة بعد أن أصبحت جزءاً من الامبراطورية البابلية الحديثة([26]).

وهناك من يظن ان سكان مكة أي (القريشيون) هم من أصل بابلي :

((هناك من يذهب أبعد.. فيرى أن البابليين الذين تسنى لهم النجاة من مذابح داريوس الفرثي بعد احتلال بابل انتقاماً من ثورتها عليه وخلعها نير سلطانه، هم الذين بنوا حضارة الحجاز... وربما جاءت الأسطورة الدينية التي تقول بأن ابراهيم الخليل - وهو كلداني من اور- هو الذي بنى بمكة بيتها المقدس، وكان من نسله ابنه اسماعيل، لتؤكد هذا الرأي أو الفرض التأريخي وتكرسه واقعة تاريخية..))([27]).

المصادر العربية والاصل العراقي ـ الشامي

ان هذه الفكرة عن أصل العرب من (عربا ـ أي بادية الشام) ظلت متداولة لدى المؤرخين العرب أنفسهم. فقالوا: (إنهم سموا عربا بأسم بلدهم العربات. وقال إسحاق بن الفرج: عربة باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام). وقالوا (وأقامت قريش بعربة فتنخت بها، وأنتشر سائر العرب في جزيرتها، فنسبوا كلهم إلى عربة، لأن أباهم اسماعيل، صلى الله عليه وسلم، نشأ وربى أولاده فيها فكثروا).

كذلك تم التعبير عن الشعور الموروث لدى العرب بأنهم من أصل (عراقي)، من خلال الاعتقاد بقدوم اسماعيل من (أور) وان ابراهيم هو الذي بنى الكعبة. وهذا قول معروف من الامام علي :

((جاء في اللسان : قال محمد بن سيرين : سمعت عبيدة قال : سمعت عليّاً (رض) يقول : (من كان سائلاً عن نسبتنا فإنّا نبط من كوثى). قال أبو المنصور : والقول هو الأول لقوله (رضي): فإنها نبط من كوثى، ولو أراد كوثى مكة لما قال نبط. وكوثى العراق هي سُرّة السواد من محل النبط. وإنما أراد عليٌّ أن أبانا إبراهيم كان من نبط كوثى. ونحو ذلك قال ابن عباس: نحن معاشر قريش حيّ من النبط من أهل كوثى. والنبط من أهل العراق)). وأنت تعلم أن مراد العرب بنبط العراق: البابليون الأقدمون. وعلى هذا يكون القرشيون بابليّي الأصل فلما دخلوا بلاد العرب أدخلوا إليها لغتهم معهم([28]).

هذا يفسر الفكرة السائدة في الاساطير العربية عن (العرب المستعربة) أي (العدنانيون ـ المضريون) أبناء (اسماعيل) التي تقول الاساطير انهم قدموا من الشمال. وهذا أيضاً يفسر سبب الاختلاف العرقي واللغوي الكبير بين عرب الحجاز الشماليين (أشكالهم عراقية سورية بحر متوسطية)، وعرب اليمن الجنوبيون، (أشكالهم استوائية سمراء). رغم الامتزاجات الكبيرة التي حصلت بين الطرفين إلاّ أنهم يختلفون بالاصول والاشكال، بل حتى اللغة. علماً بأن تسمية (أرض العرب أو العربية) قد توسعت مساحتها مع مرور الزمن. ففي بدايات الالف السابق للميلاد، حسب الوثائق العراقية والتوراتية والايرانية، فان (العربية) أو (بلاد العرب)، تعني بالضبط : (البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام). ثم بالتدريج بدأت التسمية تشمل (صحراء سيناء)، حيث تعيش هنالك عدة قبائل بدوية. ثم بالتدريج راحت التسمية تشمل كل الجزيرة العربية.

 

الانباط

 

بدأوا يظهرون في بوادي الهلال الخصيب منذ القرن الميلادي الاول. يمكن اعتبار(الانباط) نتاج المرحلة الأولية من التمازج الحاصل بين الآراميين وسكان جنوب الجزيرة العربية اليمنيين، ولهذا فأن لغتهم وأسمائهم وثقافتهم كانت آرامية ولكنها تحتوي على بعض صفات العربية من مفردات وأسماء وعادات([29]).وقد اطلقت عليهم تسمية (انباط) بمعنى انهم هجروا البادية و(نبطو) أي (انبتو، زرعو) أي أصبحوا حضر مزارعين. وقد أسسوا بعض الدويلات في العراق والشام، في ظل الدولتين الفارسية والرومانية المهيمنتين في تلك الفترة. ومن هذه الدويلات (الحضر) في بادية الموصل، و(الانباط) في بادية الاردن، و(تدمر) غرب الفرات عند البادية السورية. وكل هذه الدويلات قد نشأت وانتهت تقريباً في نفس الفترة، حيث دامت بضعة قرون بعد الميلاد.

 

ظهور العرب

 

بدأت القبائل العربية تظهر بالتدريج منذ القرن الرابع الميلادي، حيث استقرت بعض القبائل في أواسط الفرات لتشكل (دولة المناذرة) في العراق، بالاضافة الى (دولة الغساسنة) في سوريا. ان ميزة هذه الموجة انها كانت تحمل في طياتها تأثيرات أكثر وضوحاً من عملية التفاعل بين القبائل الآرامية الشمالية مع قبائل جنوب الجزيرة. ومن أهم هذه التأثيرات هي اللغة التي اكتسبت الكثير من تأثيرات لغة اليمن. كذلك شيوع تسمية(عرب) رغم ان هذه التسمية أصلها من العراق. لكن رغم ذلك فأن (ألآرامية) بقيت لغة الثقافة والدين الرسمية المتداولة في داخل هذه الدويلات. فكل ما وجد من وثائق ونقوش (ثمودية وصفوية) تنسب للعرب في هذه الحقبة، كانت مكتوبة باللغة والخط الآرامي. ولم نعرف العرب إلاّ من مسمياتهم([30]).

أما الموجة العربية الحقيقية التي أتت مع الفتح العربي الاسلامي من الجزيرة العربية، فانها تستحق التفصيل التالي الخاص بها.

 

عربيات

 

ظهور اللغة العربية

 

حتى الآن يبدي جميع المعنيين بتاريخ العرب واللغة العربية، استغرابهم من هذا الظهور المفاجئ للغة العربية، كلغة متكاملة في وسط مجتمع (مكة) الذي كان في وضع حضاري محدود ليس له أي ميراث ثقافي عريق مكتوب يمكن أن يفسر هذا الغنى المتميز للغة القرآن الكريم([31]) .

إن جوابنا على هذا التساؤل المشروع، هو التالي :

ان اللغة العربية ليست نتاج مجتمع (مكة) وحده، ولا عموم المجتمع الحجازي الذي ظهرت فيه، بل هي نتاج التقاء وامتزاج ثقافتين عريقتين اجتمعتا في مكة: الثقافة اليمنية ذات الميراث الذي يتجاوز الالف عام، والثقافة الآرامية الحاملة لميراث بضعة آلاف عام من حضارات العراق والشام.

أن مدينة (مكة) وكذلك (يثرب) ومدن حجازية أخرى، قد تأسست على يد المهاجرين الشماليين من القبائل الارامية ومعها المجاميع الشمالية المختلفة التي كانت تنزح نحو الحجاز لأسباب عدة، (مثال النخب البابلية بعد سقوط بابل). في الحقبة الميلادية أو السابقة للميلاد بقرنين على الاكثر، ظهرت أول معالم (مكة). لقد استمر الحجاز يستقبل النازحين القادمين من الشمال من بدو وحضر ومبشرين مسيحيين (خصوصاً النساطرة العراقيين) وكذلك التجار اليهود. ويبدو ان هذه الهجرات الشمالية نحو الحجاز كانت بزيادة متصاعدة بسبب استخدام (الجمل) وكذلك نتيجة استمرار فقدان الامن وتردي الحياة في الهلال الخصيب، بسبب السيطرة الاجنبية (الفارسية ـ الرومانية) والحروب الطاحنة بين الطرفين. ان موقع (مكة) على خط القوافل بين الجنوب والشمال، ساعدها على أن تصبح مركز جذب للقبائل والجماعات اليمنية القادمة من الجنوب لتمتزج مع الاقارب القدماء القادمين من الشمال. وقد نجح أهل (مكة) معتمدين على ميراثهم الحضاري الشمالي ـ الجنوبي العريق، بتأسيس مكانة دينية جامعة تتمثل بـ (الكعبة الشريفة)، مما حول المدينة الى مصهر ثقافي وعرقي فعّال، ليتحول مع الزمن الى مركز حضاري وديني لسكان الجزيرة الشماليين والجنوبيين. كل هذه التفاعلات وخلال بضعة قرون أدت الى تطور لغة جديدة تجمع بين اللغتين اليمنية (الجنوبية) وألآرامية (الشمالية)، أطلق عليها تسمية (لغة عربية) أو (لهجة قريش).

(عبثاً يحاول دارسي العربية العثور على وثائق لغوية سابقة للقرآن الكريم... أما من ناحية النقوش التي يسمونها ـ نقوشا عربية ـ سبقت ظهور الاسلام، فهي ركيكة ولا تشبه العربية الفصحى.. أما نقش النمارة الذي عثر عليه في حوران في سوريا عند قبر امروء القيس المتوفي عام 328 ميلادية وكان ملكاً على الحيرة في العراق، فقد قيل عن كتابته بأنها لغة رجل آرامي لا يعرف العربية معرفة تامة. لغته سريانية ولكنه يحاول الكتابة بالعربية) ([32]).

ان العربية هي لغة مكة وقريش، وسميت منذ ذلك الحين باللغة العربية الفصحى، وقد أبرزها القرآن الكريم كلغة دينية مقدسة: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} {الرعد/37}، {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا} {الأحقاف/12}، {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} {النحل/103}.

أن اللغة العربية التي ظهرت في القرآن الكريم، لم تكن نتاج تراث الحجاز اللغوي بل هي حصيلة التقاء التراثين اللغويين الجنوبي والشمالي([33]). حينها فقط اتخذت تسمية (عرب) التي كانت تعني فقط (الاعراب) أي (بدو عربايا ـ البادية الغربية)، معناً جديداً يمثل مجموعة أقوامية ناطقة بلغة خاصة بها هي: اللغة العربية!

ولعل هذا الاصل الآرامي للعرب وللغة العربية، هو الذي يفسر كيف ان العرب المسلمين اعتبروا اللغة السريانية (وهي نفس الآرامية)، لغة مقدسة ولغة الانبياء الاوائل: آدم وشيت وادريس ونوح وابراهيم([34]).

وهذا أيضاً يفسر اقتباس العرب (الخط النبطي الآرامي العراقي) في كتابة لغتهم، بدلاً من الخط اليمني المسند الذي كان شائعاً في الجزيرة.

الخط المسند اليمني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الابجدية النبطية المشتقة من الآرامية، وتعتبر أساس الكتابة العربية (الخط الكوفي)

 

 

تعريب وأسلمة سكان العراق والشام الناطقين بالآرامية

 

إذن، (العرب) مثل كل المجموعات الاقوامية الكبيرة في العالم، هم مزيج من مختلف الاعراق والجماعات المختلفة الاصول ولكنها لظروف مختلفة ذابت في كياني ثقافي ـ لغوي مشترك غطائه اللغة العربية. ومع الزمن والتمازج العرقي الثقافي تشكلت نوعاً من (الرابطة القومية) المبنية على الاساطير التي تدعي بالاصل العرقي المشترك و(جد) خيالي اسمه (يعرب) يفترض بأن تسمية (عرب) تعود له. ومن أجل تفسير هذا الانقسام التاريخي العرقي الواضح بين سكان جنوب الجزيرة والقادمون من الشمال، قيل ان (يعرب) له ولدين، (قحطان) جد الجنوبيين، و(عدنان) جد الشماليين!

ان القفزة الكبرى التي حصلت في هذه الجماعة (العربية) الاقوامية الناشئة في الحجاز، مع ظهور الاسلام وانشاء الامبراطورية العربية الاسلامية. إذ انظمت الى (العرب) شعوب بأكملها (آرامية ومصرية وبربرية ونوبية، وغيرهم الكثيرون) بسبب عمليات الاسلمة والتعريب التي دامت قرون لتشكل الشعوب العربية الحالية، التي تعتقد بأنها منحدرة عرقياً وفعلياً من (عرب الحجاز)!

بالحقيقة إن العامل الأول الذي سهل عملية تعريب شعوب العالم العربي الحالي، هو التقارب العقلي والبشري بين القبائل العربية وسكان هذه البلدان. بالحقيقة ان عملية التعريب ما كان يمكنها أن تنجح، لولا هذه العلاقات التاريخية العرقية والحضارية بين هذه الشعوب (السامية ـ الحامية)([35]).

 

*ملاحظة: نرجو مراجعة هوامش وملاحظات هذا القسم في نهاية هذا الملف

 

مصادر البحث

 

أدناه فقط المصادر الاساسية المذكورة في متن الكتاب، ولم نذكر العشرات غيرها التي تم استشارتها، ولكن لم يتسن لنا تسجيلها:

1- (جريدة السفير) 2007/10/26أجرى اللقاء أحمد بزون / منشور أيضا في : http://www.alnahdah.org/doc07102610.htm

ـ كذلك كتابه: التوراة جاءت من جزيرة العرب / كمال الصليبي / بيروت 1985

2- من سومر الى التوراة/ فاضل عبد الوحد علي / دار سيناء / القاهرة 1996

3- حضارة العرب/ احمد سوسة / وزارة الاعلام / بغداد

4- تاريخ اللغات السامية أ ــ ولفنسون

5- التاريخ القديم للشعب الاسرائيلي / توماس طومسن .

6- آرام دمشق واسرائيل/ فراس السواح / دار علاء الدين / دمشق 1995

la Mesopotamie / Georges ROUX/P 136-138/ Paris 1985)) -7

8- تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ فيليب حتي / دار الثقافة / بيروت 1985

9- بادية الشام/ كريستينافيلبس غرانة / ترجمة، تحقيق: خالد أحمد عيسى/ أحمد غسانسبانو/ دار رسلان / بيروت 2007

10- البدو والبادية صور من حياة البدو في باديةالشام / جبرائيلسليمان جبور/ دار العلم للملايين / بيروت 1988

11- أللآلئ السريانية/ قاموس سرياني عربي / جوزيف اسمر/ مطبعة العلم / سوريا 1991

12- دراسات في تاريخ الثقافة العربية / مجموعة مؤلفين سوفييت / دار التقدم / موسكو 1989

13- شبه الجزيرة العربية والعرب / غريازنيفيتش / موسكو 1977

14- موسوعة ويكيبيديا: قطر، البحرين، عمان، الخليج

15- تاريخ اليمن القديم/ محمد بافقيه / المؤسسة العربية / بيروت1985

16- المفصل في تاريخ العرب / جواد علي الطاهر.

17- هل بنى البابليون مكة والمدينة / د.هديب غزالة / مجلة ميزوبوتاميا / بغداد / عدد 7/ 2006 www.mesopotamia4374.com/adad7/fahrast7.htm)

18- محاولة في فهم الشخصية / محمد مبارك / بيروت.

19- حصاد الفكر في اللغة العربية / لجنة باحثين

20- نظريات في اللغة / انيسة فريحة / دار الكتب / بيروت1973

21- كتاب الأختصاص للشيخ المفيد.

22- تفسير الميزان / السيد الطباطبائي.

23- تاريخ العراق الاقتصادي/ عبد العزيز الدوري/ المؤسسة العربية / بيروت

24- كتابنا الذات الجريحة / الفصل الثاني / الطبعة 4 / بغداد 2007

25 - عن تدجين الحصان والجمل/ راجع:

26- تاريخ البشرية/ ارنولد توينبي / الدار الاهلية / بيروت 1988

27- الغرب والعالم / كافين رايلي / عالم المعرفة / الكويت 1985

28- ارتقاؤ الانسان / ج. برونوفسكي / عالم المعرفة / الكويت

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

معلومات عن تاريخ اللغة العربية

 

 

اعداد: سهاد آيدن

 

الآيات 86 و 87 من سورة الأعراف كتبت بخط كوفي مبكر (أوائل القرن السابع الميلادي)،لاحظ غياب التنقيط والتشكيل

 

الأصل الأكّدي لـ «ال» التعريف

 

إن اللغة العربية وريثة الغنى التاريخي والحضاري للغات السامية في العراق وسوريا. وكانت اللغة الأكدية هي الرائدة الأولى والأكبر لهذه اللغات، والتي ظلت مستعملة في العراق والمنطقة حتى بضعة قرون قبل الميلاد حيث ورثتها اللغة الآرامية ــ السريانية. والأكدية بدورها كانت قد استوعبت كل ميراث اللغة السومرية وحضارتها.. إذن العربية وريثة جميع اللغات السامية بالاضافة الى السومرية، وهنا مثال على صحة هذا الأمر :

* المبدأ اللاهوتي لـ «ال» التعريف العربية، كمبدأ فكري ونظام ذهني تطورت معه علائق الانسان بالعالم حوله لم يبق الإله «إيل» حساً متعالياً بعيداً منفصلاً عن يوميات الانسان، بل نجده فرض تعاليه كعلاقة ذهنية، تتجلى لنا خلال استعمال اللغة بوجه خاص. فنحن حين نستعرض طريقة التصنيف السومرية للمفردات هذه الطريقة التي لجأ اليها السومريون للتمييز بين الأشياء التي تحمل تسمياتها تجانساً في اللفظ، حين نستعرض هذه الطريقة نجد «ايل» بلفظه السومري «آن» كان يعني نوعاً من الوجود المبدئي الكامن في الأشياء.

لقد كان السومريون يرفقون كل لفظة بإشارة تحدد صنف مدلولها، وذلك لكثرة الألفاظ المتجانسة لديهم وضيق لغتهم التي يغلب على ألفاظها المقطع الواحد. وبهذه الاشارة التي تكون غالباً كبادئة للكلمة كانوا يحددون صنف الكلمة، إذا ما كانت إسماً لإله أو لشجرة أو لطائر أو لإنسان أو لمعدن، أو لأي شيء آخر. وحيث ورث الأكاديون الذهنية السومرية بثقافتها، ورثوا عنهم هذه الطريقة في التصنيف. وكما كانوا يضعون اشارة أرض «كي» الى جانب تسمية أحد الأقطار كذلك كانوا يضعون اشارة «ال» الى جانب تسمية أحد الآلهة لتمييز وصفه.

أما الأسماء التي رافقتها صفة «ال» فقد بلغت الآلاف، بحيث وجدت في مكتبة «آشور بانيبال» الشهيرة قائمة تضم أكثر من الفين وخمسمائة اسم إله بابلي الأصل. كما جمع «د. ديمل» ثلاثة آلاف وثلاثمائة أسم بلقب إله. عدد «ك. تولكفيست» ألفين وأربعمائة منها.

واذا استعرضنا امكانات اللغات السامية، وفي رأسها الأكادية التي ورثت أسلوب التصنيف السومري هذا، نجد أن هذه اللغات واسعة المفردات وتحمل قابلية ذاتية لخلق تسميات بطريق الاشتقاق، أولاً، لانتشارها وتعدد لهجاتها وخبرات أبنائها، وثانياً، لكون مفرداتها الأساسية ثلاثية المقاطع، بعكس اللغة السومرية التي يغلب عليها المقطع الواحد للكلمة الواحدة.

وبنتيجة هذه الميزة للغات السامية راحت اللغة الأكادية تستغني عن طريقة التصنيف القديمة لعدم الحاجة لها بسبب قابليتها لتنويع اللفظ. وهو ما لم يكن في قابليات اللغة السومرية. ولكن ما لم يحدث الاستغناء عنه هو بادئة «ال» اللاهوتية. فهذه بقيت ترافق المطلق في كل تسمية. وقد وصلتنا، كما يبدو، الى اللغة العربية وفق المبدأ اللاهوتي القديم فعرفناها بوظيفة «ال» التعريف للأسماء، إذ هذه، على تنوع استعمالاتها تجدها لا تزال تحمل المبادىء اللاهوتية ذاتها التي كانت تدل اليها في الذهنية القديمة.

وما يشجع على هذا الافتراض هو التأثير الأكادي الواسع الذي نلاحظه في قواعد اللغة العربية وأدواتها ومفرداتها، بحيث نستطيع القول باطمئنان أنها الوارثة الشرعية لقواعد اللغة الأكادية، وحركات إعرابها، الى جانب الكثير من مفرداتها التي لا تزال حية في أسماء النباتات المختلفة المستعملة اليوم، وغيرها من اللهجات العامية بوجه خاص.

وهكذا تكون قد سقطت بوادىء التصنيف السومرية جميعاً مع التطور اللغوي على أيدي الساميين، وبقيت بادئة «ال» وحدها في اللغة العربية شاهداً على المبدء التصنيفي اللاهوتي الذي تعامل به انسان حضارة الشرق المتوسطي الآسيوي طوال ما يقارب ثلاثة آلاف سنة.

وحين نبحث عن حلقة تصل بين «ال» اللغوية و «أل» اللاهوتية نجد معالم هذه الحلقة في البادية السورية، المكان الطبيعي الصالح لمثل هذا التطور الذهني والتفاعل اللغوي بين الأكاديين والساميين الغربيين الذين تحدر منهم العرب بسلالتهم وتراثهم الثقافي.

لقد عرف الإله «مارتو» في النصوص الأكادية بأنه إله البادية السورية وهو يدعى كذلك «رمّانو» (أي رحمان). وهذا الإله كان يأتي اسمه غالباً مسبوقاً باشارتين لاهوتيتين، «أل أل» أي «الاله» الذي أصبح فيما بعد «الله»، بالإدغام. وهنا نفترض أن الاشارة الأولى للألوهة كانت أصبحت «أل» التعريف، التي غدت توضع بعد ذلك قبل اشارة الألوهة الثانية لتفييد الألوهة المطلقة. واذا استعملنا هذا التعريف قبل الاسم الثاني للإله «مارتو» أي الرحمان تصبح موافقة للترادف العربي، «الله رحمن» ومن المعروف أن حرفي الحاء والهاء لا وجود لهما في الأكادية، ولهذا فإن «رمانو» هو ذاته رحمان، كما أن هناك ملاحظة هامة لا بد من ذكرها حول إله البادية هذا «مارتو» أو «أمورو». فهذا الإله يرد على الأختام مرفقاً بإله آخر، وكأنه صفة له. فهل يعني هذا أنه كان إلهاً مطلقاً يوصف به الآخرون؟ إن افتراض كلمة «الله» كصفة تعريف له تقتضي أن يكون ذلك. لأن هذه الكلمة بطبيعة تركيبها تتضمن معنى التوحد للمطلق، إذ هي ادغام في كلمة «الاله»..

 

من كتاب «البنية الذهنية الحضارية ــ يوسف الحوراني ــ ص 173ــ 178».

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقوش اللغات ما قبل العربية

 

يبدو ان (اللغة العربية) كما نعرفها الآن، قد تكونت بصورة فعلية في الحقبة الاسلامية أو قبلها بقليل. فبالنسبة لما يسمى بـ (العربية الجنوبية) أي (لغة اليمن) فأنها بعيدة عن العربية بعد العبرية والسريانية. وقد كان علماء المسلمين يدركون ذلك حتى قال أبو عمرو بن العلاء (770 م) : (ما لسان حمير بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا).

هذا نموذج لنـقـش سبئي مكتوب بالخط اليمني (المسند)

 


 

إعادة كتابته بالحروف العربية


1 ـ كـرب إل بـين / بـن / يــثـع أمــر / هـ جـ ز / لجــأزن / ول / خــلــب
2
ـ ول / نــشن/ ول / مــــور / أل / يحــرن / بـيـضــع / صـيحـن / بـضــع
يليــه السطــر الــثالـث ثــم الـرابـــع وهـذه تـرجمــة الخامــس
5
ـ أب / كــرب / بــن / ودد إل / بـن / إل قــوم / ومـثــل / ذن/ وقـرن/ ب


الترجمة التقريبية بالـعــربــي


1- كـرب إيـل بـينبـن يـثــع أمـــر يـُـنـهى بهــذا مــا رســمــه يــدع إل ذريــح علىأوديـــة
جـــأزان (وادي جيـزان) وخــلـب

2- ونـشــان ومـــــور (أسماء وديانمعروفـة) مــن ضــرائــب
مــستحـقـــة على مقاطعــة صــيـحان. ورســـم

5- أب كـــرب بـن وداد إل بــن إل قـــــوم،

 

 

نقش النمارة

 

 

لقد تم العثور على الكثير من النقوش الكتابية في أنحاء الهلال الخصيب والحجاز: المسندية / الحسائية / اللحيانية / الصفائية / الديدانية / الثمودية، لكن جميع هذه الكتابات السابقة للاسلام لم تحتو إلاّ على (بصيص) من العربية الفصحى كما عرفناها في القرآن الكريم.

يعتبر (نقش النمارة) من أشهر هذه النقوش، لأنه احتوى على لغة لها علاقة ما بالعربية الفصحى. اكتشففي عام 1901م بالقرب من دمشق منقوشاً على قبر (امرؤ القيس) الذي وصف نفسه بـ (ملك العرب). هذا النقش مكتوب بنوع من الخط النبطي (الآرامي) القريب من الخط العربي الحالي. مكتوب بلغة هي آرامية ممزوجة بمفردات عربية. ويوجد الآن في متحف اللوفر في باريس.

 

النقش بلغته الاصلية

 

1 ـ تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كلّه ذو أسر التج.

2 ـ وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرّب محجو عكدي وجاء.

3 ـ بزجي في حبج نجرن مدينة شمر وملك معدو وبيّن بنيه.

4 ـ الشعوب ووكلّهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه.

5 ـ عكدي. هلك سنة 223 يوم 7 بكسلول بلسعد ذو ولده.

 

ترجمة النقش الى العربية

 

1ـ هذا قبر امرئ القيس بن عمرو، ملك العرب جميعاً، الذي عقد التاج.

2 ـ وملك قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وأخضع (قبيلة) محج!! حتى اليوم وحقق.

3 ـ نجاحاً في حصار نجران عاصمة شمر، وملك (قبيلة) معد، وقسّم على أبنائه.

4 ـ أرض الشعوب وجعلها فرساناً للروم، فلم يبلغ ملك مبلغه.

5 ـ حتى اليوم. مات سنة 223 في اليوم السابع من شهر كسلول (كانون الاول) لتنعمذريته بالسعادة.

 

الخط الكوفي

 

هذا نموذج من أولى الكتابات العربية في أول الاسلام وبالخط الكوفي، وهو نص من المصحف العثماني الأصلي الذيكتب في عهد عثمان بن عفان .. من سورة الأنعام


الخط الكوفي

 

خلق السمواتوالارض وجعل / الظلمت والنور/ ثم الذين كفروا/ بربهم يعدلون هو/ الذيخلقكم / من طين ثم قضى أ/ جلاً وأجل مسمى عند / ه ثم أنتم تمترون و/ هو اللهفي السمو/ت و في الار/ض يعلم سركم و جهركم

ـــــــــــــــــ

 

العربية بين البداوة والحضارة

 

إن مشكلة أصل المفردات العربية وارجاعها دوماً الى أصلها في الصحارى العربية يبدو أمراً خاطئاً، لأن أصل المفردات العربية وخصوصاً الحضارية يجب إرجاعه الى اللغات السامية في العراق وسوريا. هنا رأي في هذا المجال:

((ولكن مما يؤسف له أشد الأسف أن جميع علماء اللغة من المسلمين لم يكونوا يعرفون شيئاً من اللغات السامية كالعبرية والسريانية معرفة صحيحة فنشأ عن ذلك أنهم لم يوفقوا الى بيان المعاني الدقيقة التي يؤديها كثير من الكلمات العربية في أصل وضعها ونشأ عن ذلك أيضاً وقوعهم في أغلاط فاحشة فيما يتعلق بفهم اشتقاق الكلمات لأنه ليس من الممكن في كل الأحوال أن يهتدي الباحث الى أصل اشتقاق الكلمة اذا اقتصر في بحثه على لغة سامية واحدة. لكنه اذا وازن بين اللغات السامية التي تشترك في كلمة من الكلمات استطاع أن يهتدي بسهولة الى الحقيقة الواضحة في أصل اشتقاقها.

ونشأ من حرص العلماء على أن يجمعوا من الأعراب كل ما يمكن جمعه من الكلمات ان جاؤوا بكلمات عربية غير مألوفة عند العرب ولا متداولة بين فريق منهم وذلك لأن هؤلاء العلماء كانوا يلحون بشدة على الأعراب أن يأتوا لهم بجديد من الكلمات وكان بين هؤلاء الأعراب بطبيعة الحال من هو صادق ومن هو كاذب ومن الكاذبين من كان يقصد التلفيق واختلاق الكلمات. ولكن هذه الكلمات المختلقة لم تستطع أن تندمج في اللغة العربية اندماجاً تاماً بل بقيت غير واضحة المعنى وكثير منها ظل غير موثوق بصحة استعماله. وكذلك نشأ من كثرة استعمال المجاز في الأدب العربي وجود كثير من الألفاظ غير واضحة المعنى ولا مفهومة الدلالة من ناحية مادتها اللغوية.

ولما حاول العلماء أن يشرحوا معناها ويوضحوا دلالتها لم يجدوا من الألفاظ ما يوصلهم الى ذلك بمعناه الحقيقي فاستعملوا الفاظاً أخرى في معانٍ مجازية أيضاً كان من شأنه أن زادت عدد الألفاظ المبهمة المعنى فكأن هؤلاء العلماء بمحاولتهم تعليل الإبهام والغموض في المادة اللغوية قد أرادوا مضاعفته والزيادة فيه. وقد استغل هذا النوع من الألفاظ بعض الشعراء الذين كانوا يميلون الى الإبهام والإغراب فحشوا شعرهم بالألفاظ النادرة الاستعمال أو المشكوك في صحتها)).

من كتاب (تاريخ اللغات السامية ــ ولفنسون ص 217 ــ218 ).

ــــــــــــ

 

حال اللغة العربية اليوم

 

تتكلم الشعوب العربية اليوم اللغة العربية،. ويطلق عليها لغة الضاد لتفردها بهذا الحرف، وهي مكونة من 28 حرفاً. وتعد من أقدم اللغات الحية حالياً. وتنقسم اللغة الفصحى إلى سبع أو عشر لهجات فصحى يقرأ بها القرآن الكريم. ويتكلم العرب المعاصرون العربية الفصحى ولهجات عامية متنوعة إلاّ أنها متقاربة.

العربية لغة رسمية في كل دول العالم العربي إضافة إلى كونها لغة رسمية في دول السنغال، ومالي، وتشاد، وإريتيريا. وقد اعتمدت العربية كإحدى لغات منظمة الأمم المتحدة الرسمية السته.

(لغة الضاد) هو الاسم الذي يطلقه العرب لاعتقادهم بأنها الوحيدة بين لغات العالم التي تحتوي على حرف الضاد. تنتمي العربية إلى أسرة اللغات السامية المتفرعة من مجموعة اللغات الأفرو-آسيوية. وتضم مجموعة اللغات السامية لغات حضارة الهلال الخصيب القديمة (الأكادية) والكنعانية والآرامية واللغات العربية الجنوبية وبعض لغات القرن الإفريقي كالأمهرية. وعلى وجه التحديد، يضع اللغويون اللغة العربية في المجموعة السامية الوسطى من اللغات السامية الغربية، فتكون بذلك اللغات السامية الشمالية الغربية (أي الآرامية والعبرية والكنعانية) هي أقرب اللغات السامية إلى العربية.

تعتبر العربية من أكبر لغات المجموعة السامية من حيث عدد المتحدثين، وإحدى أكثر اللغات انتشاراً في العالم، يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة بأسم العالم العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة كالأحواز وجنوب تركيا وتشاد ومالي والسنغال وارتيريا. وللّغة العربية أهمية قصوى لدى المسلمين فهي لغة مصدري التشريع الأساسيين في الإسلام: القرآن الكريم، والأحاديث النبوية المروية عن النبي محمد (ص)، ولا تتم الصلاة (وعبادات أخرى) في الإسلام إلاّ بإتقان بعض من كلمات هذه اللغة. والعربية هي أيضًا لغة طقسية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في العالم العربي، كما كتبت بها الكثير من أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصر الاسلامي. وأثّر انتشار الإسلام وتأسيسه دولاً، أرتفعت مكانة اللغة العربية وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون، وأثرت العربية تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية والأوردية والالبانية واللغات الأفريقية الاخرى واللغات الأوروبية كالروسية والإنجليزية والفرنسية والأسبانية والايطالية والألمانية. كما انها تدرس بشكل رسمى أو غير رسمى في الدول الاسلامية والدول الأفريقية المحاذية للعالم العربى. علماً بأن الخط العربي مستعمل لكتابة الكثير من لغات الشعوب الاسلامية: الأردو والفارسية والكشميرية والبشتونية والطاجيكية والتركستانية (زنجيانگ) والكردية السورانية والبهدنانية وبهاسا (بروناي وآتشه وجاوي ماليزيا).

 

 

ـــــــــــــــــــ

 

 

 

نشأة الخط العربي في الانبار

 

 

د. ليث شاكر محمود رشيد

 

 

تطور الخط الآرامي الى النبطي ثم العربي

 

 

إن نظرية نشأة الخط العربي، شغلت المؤرخين القدماء والباحثين المحدثين، لذلك فان موضوع نشأة الخط العربي في الانبار من بين المواضيع الهامة التي ينبغي تسليط الاضواء عليها، كونها توضح اسهام أبناء العراق في الثقافة العربية على مر التاريخ.

البحث تناول مسألة نشأة الخط العربي في العراق، وكيفية انتقاله إلى شمال الجزيرة العربية (دومة الجندل)، ثم إلى الحجاز، وبالتالي سيتضح للقارئ مدى اصالة الحضارة العربية، مدى اسهام ابناء العراق في بناء التراث العلمي والفكري العربي.

اعتمد البحث على المصادر العربية الأولية، مثل ما كتبه ابن قتيبة (ت 276 هـ ) في الشعر والشعراء، وكتابه (عيون الأخبار)، وما كتبه البلاذري (ت 279 هـ) في كتابه (فتوح البلدان)، وغيرهم ممن أوردوا روايات نشأة الخط العربي في الأنبار من قبل قبيلة اياد.

وخلاصة الآراء التي توصل إليها الباحث تتلخص من أن جملة من الأدلة المنطقية تقف وراء تأييد نظرية نشوء الخط العربي في العراق، منها أدلة ثقافية، كون العراق كان موطناً لحضارات قديمة سومرية، واكدية وبابلية.. الخ، وأدلة لغوية وروايات تاريخية قديمة، ثم أدلة وبراهين من واقع سير الاحداث التاريخية المتمثلة بعمق التأثير الحضاري والفكري والروحي العراقي على شبه جزيرة العرب قبل الإسلام.

وقد اعتمد الباحث في منهجية بحثه تناول الروايات التاريخية بصدد نشأة الخط العربي وحاول الجمع بين تلك الروايات مع مفردات القواميس العربية والمعاجم السريانية والتي تؤكد في غالبيتها ما ذهب إليه الباحث من ان الخط العربي نشأ في الانبار وقد نقل إلى الحيرة التي بدورها نشرته في شبه الجزيرة العربية.

نشأة الخط العربي في الأنبار:

شهد العراق عبر العصور التاريخية القديمة قيام حضارات كالسومرية والآشورية والبابلية والكلدانية، لذلك انصرف أبناءه لمعرفة أصل الكتابة والفنون الخطية والزخرفية(1). وقد وضعت هذه الحضارات بما لا يقبل الشك أسبقية العراق عن بقية أصقاع الجزيرة العربية بالمعرفة المتراكمة في علوم الكتابة، لا سيما الكتابة المسمارية والارامية، بدليل ما شهدته أراضي العراق من لقى آثارية في الحضر والحيرة (كتابات آرامية)، وكتابات سريانية وعربية في وسط وجنوب العراق.

شهد العراق في عصر ما قبل الإسلام قيام دولة المناذرة التي اعتنقت النصرانية، وتبنى ملوكها نشر الديانة النصرانية في شبه الجزيرة العربية لذلك ارتبط العراق بصلات روحية وثقافية وتجارية مع شبه الجزيرة العربية، وخاصة أبناء الحجاز الذين ارتبطوا بالعراق في رحلتي الشتاء والصيف، لذلك نقل الخط العربي إلى الحجاز، ومن ثم تعايش الخط الحميري الجنوبي مع الخط (الحيري) و(الانباري) و(الحجازي)(2). ونحن نرجح ما يسمى بالخط الانباري وذلك لنشأة هذا الخط في (بقة) بالانبار على الخط الحيري ذلك للاسبقية الزمنية، وأسهمت فيما بعد الحيرة في أيصال الخط إلى شبه الجزيرة العربية (إلى الحجاز على وجه الخصوص).

وكان أبناء العراق في الانبار والحيرة ممن أخذوا على عاتقهم تعليم الخط العربي قبل ظهور الإسلام(3)، وبهذا الصدد يرى (Abbott) ن ثلاثة من بولان طي قاموا بوضع هجاء العربية على هجاء السريانية وعملوا الكتابة في الأنبار، وعن هؤلاء النفر تعلمها أهل الحيرة ثم انتقلت إلى مكة والطائف قبل ظهور الإسلام(4).

وبشأن رأي المستشرق المذكور أعلاه نرى انه كان مصيباً في جمع شتات هجاء العربية بين النفر الثلاثة وقد تجرد هذا المستشرق من النظرة المحدودة تجاه اللغة العربية ذلك ان منطقة الانبار قبل الإسلام كانت تقطن من قبل قبائل عربية كقبيلة أياد ومجاميع من الاراميين أو السريانيين.

وجاء عند الرواة العرب ان الخط العربي ظهر لاول مرة في قبيلة (أياد)(5) التي سكنت العراق (الأنبار)، حيث تعلم أهل الانبار الكتابة، وعنهم أخذته بقية العرب(6). والظاهر ان هذه القبيلة جاءت من الحجاز في عصر مبكر قد سبق القرن الثالث الميلادي، إذ تفيد المعلومات التاريخية التي بين أيدينا ان تلك القبيلة تعرضت لطغيان الملك الفارسي سابورالثاني (309379 م) الملقب بـ (ذي الاكتاف) في أوائل حكمه(7). ودليلنا على قبيلة (أياد) كان أول من استعمل الكتابة العربية ان شاعرها لقيط الايادي(8)، كان مترجماً في بلاط فارس، وكان يكتب بالعربية، وكانت قصة تحذيره لقبيلته من بطش سابور وارساله الكتب لقبيلته خير دليل على ذلك(9).

ونفهم مما تقدم ان لقبيلة أياد العربية التي كانت تسكن في الأنبار دوراً كبيراً في نشأة الخط العربي في العراق ولا يخفى ارتباطاتها الاجتماعية مع شبه الجزيرة العربية قد أضافت اليها سمة أخرى وهي سرعة نشر هذا الخط في الحجاز أي مواطن معظم القبائل العربية.

والجدير بالذكر ان ابن خلدون (ت 808هـ) شكك في صحة هذه الرواية لاعتقاده ان قبيلة (أياد) كانت من القبائل البدوية(10). ونحن لا نتفق مع رأي ابن خلدون لكونه تحامل على بعض القبائل العربية سيما وانه عاش في فترة تمزق الكيانات العربية في الاندلس وشمال افريقيا مما أكسب رأيه ذلك بعض التحامل على بعض القبائل العربية.

ومن الاراء الأخرى في أصل الخط العربي التي تؤيد نشاة الخط العربي في الأنبار ماورد في الروايات التاريخية من ثلاثة نفر كانوا ببقة(11) بالانبار، وهم مرار بن مرة، واسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، فقيل انهم وضعوا الخط وقاسوه على هجاء السريانية فتعلمه معظم قوم الانبار ثم تعلمه اهل الحيرة(12) نتيجة لذلك(13). ويضيف ابن النديم (ت 385 هـ) ان أول من وضع صور الحروف هو مرار بن مرة، وقد أوصلها اسلم بن سدرة، ووضع عامر بن جدرة الاعجام(14). ونستخلص من الروايات أعلاه انصهرت عدة مهارات لوضع شكل الكتابة العربية في الانبار لكونها كانت بودقة صهرت المعرفة اللغوية العربية والسريانية والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة المنطقة التي حوت قبائل عربية وسريانية. وينفرد ابن قتيبة (ت 276 هـ) الذي يعد من أقدم المؤرخين العرب الذين تطرقوا إلى موضوع الخط العربي برأي مفاده ان أصل الخط العربي ينسب إلى واحد من هؤلاء النفر وهو مرار بن مرة(15)، ونسبه آخرون إلى اثنين فقط هما مرار بن مرة واسلم بن سدرة من أهل الانبار(16).

وهذه الرواية هي اسناد للروايات التاريخية التي ذكرناه آنفاً تشير بما لا يقبل الشك إلى اتفاق معظم الرواة والمؤرخين العرب المسلمين من ان بداية نشأة الخط العربي كان في الانبار. ولم يتفق مع هذه الرواية بعض (المستشرقين) المحدثين، وخلاصة رأيهم: من الصعوبة أن يجتمع أشخاص ثلاثة ويقرروا اختراع كتابة ما وتقسيم واجبات مثل ذلك الاختراع بينهم، كذلك غرابة أسماءهم وبعدها عن العربية، كما انها حسب رأيهم ليست أسماء سريانية بالمعنى الصحيح(17). ولعل سبب عدم الاتفاق حول هذه الروايات من قبل هؤلاء المستشرقين نابعة من كون الاخيرين حاولوا التشكيك في كثير من أحداث التاريخ العربي الاسلامي بما في ذلك نشأة الخط العربي في الانبار، وعلى ما يبدو انهم لم يؤيدوا تقليد هذه الروايات إلى أسس منطقية ذات شرعية تاريخية. واطلالة بسيطة على مسميات الأفراد الذين اجتمعوا حول صهر مهاراتهم اللغوية والفنية تشير إلى معرفتهم بأصول اللغة السريانية وارتباطهم مع القبائل العربية في الموطن (الانبار) أكسبهم أهمية في التفكر لوضع أسس الخط العربي.

ويرى الباحث المحدث علي الشرقي : بأن تلك الاسماء كانت ألقاباً (تشير إلى أصلهم ومهنهم..)(18). وان أسم مرار بن مرة يعني (سيد السيادة، شيخ الشيوخ العلم، أو حامل لواء العلم)(19). ومعنى أسم أسلم بن سدرة (التام العلم الخطاط في السريانية)(20)، ومعنى عامر بن جدرة (العماد الحاذق)(21).

وقد أيَّدَ معاني تلك الاسماء الاب مارزكا مطران بغداد والبصرة وسريان الارثوذكس وعضو مجمع اللغة السريانية؛ ما ذهب إليه الباحث العراقي علي الشرقي، ولم نجد ما يناقض هذا الرأي بالاستعانة بالمعاجم اللغوية السريانية(22). ونفهم من النصوص أعلاه إن أحد هؤلاء كان ضليعاً في اللغة والشخص الآخر متبحراً في شؤون الخط السرياني وشخص ثالث لربما يكون أحد أبناء قبيلة أياد وهو عامر بن جدرة الذي يبدو إنه كان أحد الاقطاب الثلاثة الذين أخرجوا رسم الحروف العربية في شكلها النهائي.

انتقل الخط العربي بشكل تلقائي إلى مدينة الحيرة التي كانت تمثل العاصمة السياسية والدينية لملوك المناذرة في تاريخ العراق قبل الإسلام؛ وشاركت الحيرة في نقل هذا الخط إلى شبه الجزيرة العربية(23)، وكانت مدينة (دومة الجندل) هي المحطة الأولى التي استقبلت الخط العربي من الحيرة(24). ولعل أبرز الادلة التي نسوقها بشأن هيمنة ملوك المناذرة على مدن الحجاز بما فيها يثرب ففي عهد النعمان بن المنذر تروي المصادر التاريخية انه عيَّن موظفين لاستيفاء الضرائب من أهالي يثرب المذكورة وهذا يشير بما لا يقبل الشك إلى تبعية يثرب للحيرة من الناحية السياسية والادارة وما تبعها من تبعية ثقافية تتسم بانتقال أسس الخط العربي إلى الحجاز(25).

إذن ان الادلة اللغوية والروايات التاريخية وغيرها تشير بما لا يقبل الشك من أن أصل نشأة الخط العربي كان في العراق، في الأنبار ثم الحيرة وبعدها انتقل إلى دومة الجندل المدينة التجارية، وعن طريق التجارة والتبشير بالديانة النصرانية انتقل إلى الحجاز (يثرب ومكة) وبذلك نتوصل إلى منطقية النظرية القائلة من ان أصل الخط العربي جاء من العراق (الانبار)، وبهذا الشأن لدينا رواية مفادها ان أحد أبناء الجزيرة العربية وهو (بشر بن عبد الملك)(26) كان قد تعلم الخط في الانبار فتزوج (الصهباء بنت حرب اخت أبو سفيان)(27) فعلم أبوها (حرب الكتابة وجماعة من قريش(28)، وبذلك فتح عصر الكتابة في الحجاز(29).

 

الخلاصة
1- اسهمت الحضارات العراقية القديمة في وضع أسس الكتابة العربية سيما وان العراق هو موطن تلك الحضارات.
2- اتفقت معظم المصادر العربية الإسلامية والمعاجم اللغوية السريانية من أن الخط العربي كانت نشأته في الانبار.
3- أسهمت الحيرة في إيصال الخط إلى شبه الجزيرة العربية فليس من المعقول أن ينتقل الخط العربي من المناطق الغير متحضرة (مدن ومناطق شبه الجزيرة) إلى العراق والعكس هو الصحيح.
4- من الاخطاء الشائعة في بداية عصر الرسالة والخلافة الراشدة تسمية (الخط الكوفي) والاصح هو (الخط الحيري) الذي نشأ في الانبار، ذلك ان الحيرة استخدمت هذا الخط قبل الكوفة ومعروف أن هناك فروق بين الحيرة المدينة النصرانية العربية العراقية وبين الكوفة المدينة العربية الاسلامية العراقية التي نشأت في العصر الراشدي، فالحيرة العاصمة السياسية والدينية لمدن العراق قبل الاسلام احتوت الخط الانباري ونشرته في مدن الجزيرة العربية، ومن العوامل المساعدة لذلك كون التركيبة الاجتماعية في الحيرة هي نفس التركيبة الاجتماعية في الأنبار (قبائل عربية) وآراميين وسريان، ولعل الدليل الذي لا يقبل أدنى ريبة قول أهل الحيرة أنهم أخذوا الخط من أهل الأنبار(30)
.

الهوامش
(1) المصرف / ناجي زين الدين / بدائع الخط العربي / تحقيق عبد الرزاق عبد الواحد / (بغداد، بلا)
(
2) المصدر نفسه
(
3) جمعة / إبراهيم / دراسة في تطور الكتابات الكوفية على الاحجاز في مصر في القرون الخمسة الأولى للهجرة / ط1/ القاهرة / 1967م

4 - Abbott , Nabia, The Rise of the North Arabic Script with Description of Quran Manuscripts in the Orintal institute university, (Chicago, 1939), PP

(5) اياد بن نزار بن معد بن عدنان قبيلة عربية أصلها من الحجاز / ينظر: ابن الكلبي / أبو المنذر هشام بن محمد ابن السائب (ت204 هـ) / نسب معد

واليمن / تحقيق د. ناجي حسن / عالم الكتب / ط1 / بيروت / 1988م / جـ1 :122 .

ابن هشام ابو محمد عبد الملك (ت 218هـ). السيرة النبوية / تحقيق مصطفى السقا / مصر / 1963م / ج1:48 . ابن الأثير / عز الدين أبو الحسن بن علي الجزري (ت 630 هـ). الكامل في التاريخ / دار الكتب العربي / بيروت / 1967م، ج1:229. كذلك ينظر كحالة عمر رضا / معجم قبائل العرب القديمة والحديثة / المطبعة الهاشمية / دمشق / 1949م، ج1: 52-53
(
6) الجبوري / سهيلة ياسين / أصل الخط العربي وتطوره حتى نهاية العصر الاموي / رسالة ماجستير / ساعدت جامعة بغداد على نشره / بغداد / 1977م
(
7) كرستنسن / آرثر / ايران في عهد الساسانيين القاهرة / 1957م
(
8) لقيط بن يعمر الايادي كان شاعراً تخلف في الحيرة عن قبيلته التي ارتحلت إلى الجزيرة / ابن قتيبة / ابو محمد عبد الله بن مسلم (ت 267 هـ)، الشعر والشعراء / دار الثقافة / بيروت / 1964م / ج1
(
9) الأسد / ناصر الدين / مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية / دار المعارف / مصر / 1962م
(
10) ابن خلدون / عبد الرحمن بن محمد (ت 808 هــ) / العبر (المقدمة) / دار الكتب العربي / بيروت / 1956 / ج1
(
11) بقة: موضع قريب من الحيرة على فرسخين من هيت في الأنبار / وهي من محاضر العرب القديمة في العراق / الهمداني / الحسن بن أحمد بن يعقوب (ت ج 20 هـ) / صفة جزيرة العرب / تحقيق محمد بن علي الاركوع / بغداد / 1989م / الحمودي / ياقوت بن عبد الله / (ت 626هـ) / معجم البلدان / دار صادر/ بيروت / 1957م / ج1
(
12) البلاذري / أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279 هـ) / فتوح البلدان / مطبعة لجنة البيان / مصر / 1937م / ق3
(
13) المصدر نفسه / ق3 / ابن عبد ربه / أبو عمر احمد بن محمد الاندلسي (ت 328 هـ) / العقد الفريد / مطبعة لجنة التأليف / مصر / 1946م، ج4 (14) ابن نديم / محمد بن اسحاق (ت 385 هـ) / الفهرست / مطبعة مكتبة خياط / بيروت / 1964م
(
15) ابن قتيبة / عيون الاخبار / المؤسسة المصرية / القاهرة / 1963م، ج1
(
16) المصدر نفسه / ج1

(17) Grohmann/ Adolf, Arabish Palaographic, (Vien, 1971).

(18) الشرقي / علي / الكتابة في العراق / مجلة اللغة العرب / السنة الثانية / 1913م / ج10
(
19) برصوم / اغناطوس / افرام الاول / اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والاداب السريانية / مطبعة السلامة / حمص / 1943م
(
20) منا / يعقوب / قاموس سرياني انكليزي / بيروت / بلا
(
21) كوستاز / لويس / قاموس سرياني انكليزي / بيروت / بلا
(
22) اودو / توما / قاموس كنز اللغة السريانية / ط1 / الموصل / 1897م
(
23) ينظر: العسلي / خالد / المناذرة في الحيرة دراسة في علاقاتها السياسية والحضارية / تاريخ العرب قبل الإسلام / ط1 / دار الشؤون الثقافية / بغداد / 2002م، ج1
(
24) عن علاقة دول الجند بالحيرة ينظر :

- الهمداني / صفة جزيرة العرب: 350/ لكستر، م .ج / الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية / ترجمة يحيى الجبوري / بغداد /1976
(
25) ينظر:

M.K.Kister,«Mecca and Tamim aspects of their relations», (JESH, 1865), Vol. III, P.113-114.
(
26) بشر بن عبد الملك: هو الذي تعلم الخط عند أهل الأنبار، وأقام البحيرة ثم شخص إلى مكة، وأنتقل إلى الطائف فعلم أهلها الخط، تزوج الصهباء بنت حرب أبن الكلبي، نسب معد واليمن، ج1: 190191
(
27) الصهباء بنت الحرب، هي أخت أبو سفيان، تزوجها بشر بن عبد الملك، وعلم الأخير أبا سفيان الخط / المصدر نفسه / ج1:191
(
28) ابن هشام / السيرة النبوية / ج1:49 -50 / ابن بكار / الزبير / (ت 257 هـ) / جمهرة نسب قريش وأخبارها / تحقيق محمود محمد شاكر / القاهرة / 1381م / ج1: 550 البلاذري / فتوح البلدان: 456457
(
29)يوسف / احمد / الخط الكوفي / مطبعة حجازي / القاهرة / 1933م
(
30) ابن الكلبي / نسب معد واليمن / ج1: 191 / أبن النديم / الفهرست: 12 / ابن خلدون / المقدمة / ج3: 368

المصادر والمراجع

أولاً: المصادر الأولية
- ابن الأثير / عز الدين أبو الحسن بن علي الجزري (ت
630هـ) / الكامل في التاريخ / دار الكتاب العربي / بيروت / 1967م.
- ابن بكار / الزبير (ت
257 هـ) / جمهرة نسب قريش وأخبارها / دمشق / محمود محمد شاكر / القاهرة / 1381م

- البلاذري / احمد بن يحيى بن جابر (ت 279 هـ) / فتوح البلدان / مطبعة لجنة البيان / مصر1937
- الحموي / ياقوت بن عبد الله (ت
626 هـ) / معجم البلدان / دار صادر / بيروت / 1957م.
- ابن خلدون / عبد الرحمن بن محمد (ت
808 هـ) / المقدمة (العبر) / دار الكتاب العربي / بيروت / 1956م.
- ابن دريد / أبو بكر محمد ابن الحسن بن دريد الازدي (ت
321 هـ) / جمهرة اللغة / ط1 / دائرة المعارف العثمانية / حيدر آباد / 1962م.
- ابن عبد ربه / أبو عمر احمد بن محمد الاندلسي (ت
328 هـ) / العقد الفريد / مطبعة لجنة التأليف / مصر / 1946م.
- ابن قتيبة / أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت
276 هـ) / الشعر والشعراء / دار الثقافة / بيروت / 1964م / ج1:129.
- ابن الكلبي / أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب (ت
24 هـ) / نسب معد واليمن / تحقيق د.ناجي حسن / عالم الكتب / ط1 / بيروت / 1988م.
- ابن قتيبة / عيون الاخبار / المؤسسة المصرية / القاهرة /
1963م.
- ابن النديم / محمد ابن اسحاق (ت
385هـ) / الفهرست / مطبعة مكتبة خياط / بيروت / 1964م.
- ابن هشام / أبو محمد عبد الملك (ت
218 هـ) / السيرة النبوية / تحقيق مصطفى السقا / مصر / 1963م.
- الهمداني / الحسن بن أحمد بن يعقوب / صفة جزيرة العرب / تحقيق محمد بن علي الأركوع / دار الشؤون الثقافية / بغداد /
1989م.
ثانياً: المصادر الثانوية
- الأسد / ناصر الدين / مصادر الشعر الجاهلية وقيمتها التاريخية / دار المعارف / مصر /
1962م.
- اودو / توما / قاموس كنز اللغة السريانية / ط
1 / الموصل /1897.
- برسوم / اغناطوس / افرام الاول / اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والأد
اب السريانية / مطبعة السلامة / حمص 1943م.
- الجبوري / سهيلة ياسين / أصل الخط العربي وتطوره حتى نهاية العصر الاموي / رسالة ماجستير / ساعدت جامعة بغداد على نشره / بغداد /
1977م.
- جمعة / إبراهيم / دراسة في تطور الكتابات الكوفية على الاحجاز في مصر في القرون الخمسة الأولى للهجرة / ط
1 / القاهرة / 1967م.
- الشرقي / علي / الكتابة في العراق / مجلة لغة العرب / السنة الثانية /
1913م.
- العسلي / جواد / المناذرة في الحيرة دراسة في علاقاتها السياسية والحضارية / تاريخ العرب قبل الإسلام / دار الشؤون الثقافية / ط
1 / بغداد / 2002م.
- علي / جواد / تاريخ العرب قبل الإسلام / مطبعة العلمي العراقي / بغداد /
1951م.
- كحالة عمر رضا / معجم قبائل العرب القديمة والحديثة / المطبعة الهاشمية / دمشق /
1949م.
- كرستنس / آرثر / إيران في عهد الساسانيين / القاهرة /
1957م.
- لكستر / م.ج / الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية / ترجمة يحيى الجبوري / بغداد /
1976م.
- منا / يعقوب / قاموس دليل الراغبين طبعة الموصل /
1900م.
- المصرف / ناجي زين الدين / بدائع الخط العربي / تحقيق عبد الرزاق عبد الواحد / بغداد / بلا.
- يوسف / أحمد / الخط الكوفي / مطبعة حجازي / القاهرة /
1933م.


ثالثاً: المراجع الأجنبية الحديثة


Abbott, Nabia, The Rise of the North Arabic Script with dwscription of Quran Manuscripts in the - Orintal institute university, (Chicago, 1939
-
Grohmann, Adolf, ArabishPalaographic, (Vien, 1971) -
relations», (HESHO, 1865)) - Kister, M.K. «Mecca and Tamim: aspects of their

ــــــــــــــــــــ

 

 

 

أشهر الخطاطين العراقيين

 

 

 

الفنان الراحل هاشم الخطاط مع مجموعة من الخطاطين

 

من ارشيف الفنان السعودي عبدالإله الفرج
www.alfaraj9.com

(ولد الخط ومات في بغداد)!! هذه العبارة الشهيرة قد قالها الخطاط التركي الشهير (حامد الآمدي) بمناسبة وفاة الخطاط العراقي الكبير (هاشم الخطاط). وكان يقصد بالولادة الخطاط العراقي العباسي (ابن البواب)، أما الموت فهو موت (هاشم الخطاط) عام1973 . وقد استمد العراقيون براعتهم في الخط العربي من ميراثهم العريق في ابداعهم لأول خط في تاريخ البشرية، الخط المسماري، ثم بعده الخط (الآرامي السرياني) الذي منه اشتق الخط العربي، وبالذات شكله الكوفي. منذ الخط الكوفي الأول الذي كتب به القرآن الكريم وحتى يومنا هذا كان للخطاطين العراقيين السبق في الإبداع. هذا البحث أُضمامة لترجمة يسيرة لأشهر الخطاطين العراقيين الذين سطروا إبداعهم بالحبر والورق ليبقى مدى الأيام يشير لسبقهم وإبداعهم المتميز في مختلف الفنون.

 

الوزير أبو علي ابن مقلة

 

أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة، المولود ببغداد سنة 272 هـ، وهو الذي وضع القواعد المهمة في تطوير الخط العربي، وقياس أبعاده، وأوضاعه، ويعد المؤسس الأول لقاعدتي خطي الثلث والنسخ. وعلى طريقته سار الخطاطون من بعده. ومن نكبات الدهر أن تقطع يده اليمنى، فما كان منه إلاّ أن يشدّ القلم على ساعده، ويكتب، وكان يكتب بيسراه أيضاً كتابة جيدة، توفي سنة 328 هـ.

 

علي بن هلال البغدادي (ابن البواب)

 

أبو الحسن علي بن هلال بن عبد العزيز المشهور بابن البواب البغدادي، كان في شبابه مزوّقا يشتغل بتصوير الدور والكتب والدواوين، ثم تعشق فن الخط، والتمع نبوغه، أتقن قاعدة ابن مقلة ثم جودها وحسّنها، وأبدع في أوضاع الحروف العربية وأبعادها، توفي سنة 413 هـ.

 

ياقوت المستعصمي

 

أبو الدر جمال الدين ياقوت المستعصمي الرومي الأصل، الكاتب، برع في الخط، وأظهر من المهارة ما جعله في مصاف عظماء الخطاطين، وبقي ياقوت يتملى خطوط الأئمة المجودين ممن سبقه في هذا المضمار حتى بلغ الغاية في حسن الخط وضبط قواعده وأُصوله، وفاق ابن البواب الخطاط في جمال الخط وحسن تنسيقه والإبداع في تراكيبه فلقّب بـ(قبلة الكتاب)، توفي ببغداد سنة 698 هـ.

 

الملا علي الفضلي

 

ملا علي بن دروش بن شلال الفضلي البغدادي الزبيدي، ولد بمحلة الفضل ببغداد سنة 1879 م، أخذ عن الشيخ أحمد لوري أفندي الخط، ومن أشهر من تتلمذ عليه الخطاط هاشم البغدادي المعروف. توفي سنة 1948 م.

 

الحاج محمد علي صابر الكردي

 

محمد علي بن سعودي الملقب بـ (صابـر)، ولد سنة 1863 م، ببغداد كان الخطاط الأول في بغداد آنذاك، وآثاره الفنية التي خلفها ما تزال شاخصة للعيان، توفي سنة 1941 م.

 

محمد أمين يمني الكردي

 

أبو عبد القادر محمد أمين بن محمد مصطفى بن مولود بن خمان، ينتمي إلى قبيلة(خوشناد) الكردية، ولد في قضاء (كويسنجق) سنة 1888 م، اعتمد على نفسه في تعلم الخط، واهتم بخط الفارسي فبرع فيه غاية البراعة، تأثر بالخطاط التركي المشهور (يمني)، وكان يقلده في خطوطه، لا تعرف سنة وفاته.

 

محمد صالح الموصلي

 

أبو عبد الهادي محمد صالح الخطاط بن الشيخ علي بن الشيخ سليم بن ذنون بن ملا طالب الطائي، ولد في الموصل سنة 1891 م، اعتمد على نفسه في تعلم الخط، أجازه الخطاط التركي حامد الآمدي.

 

عبد الكريم رفعت (التركي)

 

أبو رفعت عبد الكريم بن الحاج محمد رفعت باش كاتب زاده، تركي الأصل، ولد في محلة الحيدر خانة ببغداد سنة 1913 م، أخذ الخط عن أبيه، وأجاده إجادة تامة وبرع فيه غاية البراعة.

 

هاشم البغدادي

 

هاشم بن محمد بن الحاج درباس القيسي البغدادي، ولد ببغداد سنة 1917 م، أخذ الخط عن المرحوم ملاّ عارف الشيخلي، أجازه الخطاط التركي حامد الآمدي مرتين، صاحب أرقى مجموعة للخطوط العربية لحدّ الآن، تدرس في العراق ومصر والشام وتركيا وإيران، توفي عام 1973 م.

 

الحاج مهدي الجبوري

 

مهدي بن محمد بن صالح الجبوري، ولد في مدينة الرميثة سنة 1928 م، تتلمذ على يد الخطاط  هاشم البغدادي، له آثار فنية رائعة على بعض الأضرحة والجوامع، وكتب الكثير من عناوين الكتب  والصحف والمجلات.

 

الحاج محمد حسن البلداوي

 

ولد في الكاظمية المقدسة، وتتلمذ على يد الخطاط هاشم البغدادي، المؤسس الأول لجمعية الخطاطين العراقيين، بارع في فن التصوير أيضاً، صاحب أُسلوب مميز في كتابة الخطوط الممتزجة بالتشكيل، أستاذ  في الزخرفة الإسلامية، بارع في خط الديواني الجلي خصوصاً، له خبرة حرفية في صناعة الأحبار.

 

عبد الغني عبد العزيز العاني

 

ولد ببغداد سنة 1937 م، تتلمذ على يد الخطاط هاشم البغدادي، فمنحه إجازة في الخط، وهو الوحيد الذي حصل على إجازة منه، نسب مدرساً للخط العربي في السوربون.

 

صادق الدوري

 

صادق بن علي بن جمعة بن محمد الدوري، ولد في ناحية الدور سنة 1940م، تتلمذ على يد الخطاط هاشم البغدادي، له آثار راقية على واجهات الجوامع، وكتب الكثير من عناوين الكتب، له لوحات بتراكيب بديعة.

 

صلاح شيرزاد الكركوكلي

 

ولد في كركوك عام 1947 م، تتلمذ على يد الخطاط هاشم البغدادي، درس الزخرفة على يد الأُستاذ محمد البلداوي، من آثاره الفنية كتابة بوابة جامع الحيدر خانة الشهير.

 

جاسم النجفي

 

جاسم بن حمود بن حسين النجفي، ولد في النجف الأشرف سنة 1950م، اعتمد على نفسه في تعلم الخط، حصل على شهادة في الخط من كبار خطاطي تركيا، أمثال داود بكتاش، يتميز بالسرعة والإتقان في الخط، له آثار رائعة في المشهد الحيدري المقدس.

 

الحاج خليل الزهاوي الكردي

 

ولد في مدينة خانقين سنة 1946 م، اعتمد على نفسه في ممارسة الخطوط العربية، برع في الخط الفارسي، وهو الأستاذ المقدم فيه، أقيم له 16 معرضاً للخط  داخل العراق وخارجه، حصل على إجازة في الخط الفارسي من الخطاط الإيراني الكبير زرين خط عام 1975م، يميل للأسلوب التشكيلي في كتابة ألواحه.

 

الدكتور سلمان إبراهيم

 

ولد عام 1930م، تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1958م، نال الدكتوراه فرع الرسم، قسم الصيانة الأثرية، أقام العديد من معارض الخط العربي.

 

عبد الكريم الرمضان

 

عبد الكريم بن حسن الرمضان، ولد في مدينة البصرة سنة 1939م، حصل على الإجازة في الخط من الخطاط التركي الشهير حامد الآمدي، له مساهمات خطية في الكثير من المعارض الفنية، يعمل رئيسا لقسم الخط العربي والزخرفة، في معهد الفنون الجميلة – البصرة.

 

الدكتور روضان بهية

 

ولد الدكتور عبد الرضا بهية سنة 1952م، تتلمذ على يد الدكتور سلمان إبراهيم، وحصل على الإجازة في الخط من الحاج مهدي الجبوري، نال شهادة الدكتوراه في التصميم من كلية الفنون الجميلة سنة 1976م، يعمل رئيساً لقسم الخط العربي والزخرفة فيها حالياً.

ــــــــــــ

عن: نادي القصة السورية / http://www.syrianstory.com/comment6-6.htm

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــ

 

 

المدارس النحوية

 

في الكوفة والبصرة وبغداد

 

 

اعداد: ليلى حنا

 

 

نصب الفراهيدي في البصرة

ان النحو العربي قد تأسس في العراق بتأثير النحو السرياني، الذي بدوره كان قد تأثر بالطريقة المنطقية للنحو اليوناني. كانت المدارس النحوية مصطلح يشيرإلى اتجاهات ظهرت في دراسة النَّحو العربي، اختلفت في مناهجها في بعض المسائلالنحوية الفرعيّة، وارتبط كل اتجاه منها بحاضرة عراقية مُعيّنة، فكانت هناك مدرسةالبصرة، ومدرسة الكوفة، ومدرسة بغداد وهكذا. وقيل عنها أيضاً: مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين،ومذهب البغداديين..

في الفهرست لابن النديم نجد باباً يفرد للكلام فيالنحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين، وباباً آخر لأخبار النحويينواللغويين الكوفيين، ثم باباً ثالثاً لأخبار جماعة من علماء النحو واللغويين ممنخلط المذهبين، وقد عرف هؤلاء الأخيرون عند الدارسين بالبغداديين. على أن أبا سعيدالسيرافي أفرد كتاباً لأخبار النحويين البصريين بدءاً بأبي الأسود الدؤلي، وانتهاءًبأبي بكر محمد بن السري المعروف بأبن السراج، وأبي بكر محمد بن علي المعروف بمبرماناللذين أخذ السيرافي عنهما النحو، وعليهما قرأ كتاب سيبويه، ونص على أن في طبقةأستاذيه هذين ممن خلط علم البصريين بعلم الكوفيين، أبو بكر بن شقير، وأبو بكر بنالخياط.

وعندما ألّف أبو الطيب عبـدالواحد بن علي اللغوي (ت351هـ)كتابه في مراتب النحويين، عرض لعلماء الحواضر الثلاثة ممن اشتغلوا باللغة والنحو،بدءاً من أبي الأسود، ومن أخذ عنه، وبعض اللغويين والنحويين من البصريين، دون أنيعقد لذلك عنواناً، حتى إذا فرغ من البصريين عقد باباً لـعلماء الكوفة، لكن الناظرفيمن سلكهم ضمن الكوفيين يرى بعض العلماء البصريين يسلكون خلال هذه المجموعة، وعلىسبيل المثال ترى الجرمي وأبا عثمان المازني وأبا العباس المبرد، ولعله لم يُرد ذلك،فعقد بعد ذلك باباً لعلماء الكوفة بعد الكسائي، حتى إذا فرغ من ذكرهم خصص البابالأخير لعلماء بغداد.

أما الزبيدي، فقد وضع النحويين واللغويين فيطبقات، فابتدأها بطبقات النحويين البصريين، وصنفهم إلى عشر طبقات، وانتقل بعدها إلىطبقات النحويين الكوفيين فكانوا ست طبقات، ثم عاد للغويي البصرة فكانوا سبع طبقات،فلغويي الكوفة وهم خمس طبقات، بعد ذلك خصص أبواباً لطبقات النحويين واللغويينالمصريين، فالنحويين واللغويين القرويين، ثم النحويين واللغويينالأندلسيين.

المدرسة البصرية، هي الرائدة في النحو والادب والفكر، لأن أهلها ولعوا بالجدل والكلام. وفيها ظهر المعتزلة وأصحاب الجدل والكلام. أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هوالمؤسس الحقيقي لمدرسة البصرة النحوية، ولعلم النحو العربي بمعناه الدقيق، ثم تلاهسيبويه فالأخفش الذي أقرأ النحو لتلاميذ من البصرة والكوفة، ثم جاء بعده المازني،فتلميذه المبرِّد وهو آخر أئمة المدرسة البصرية النابهين. وهذه المدرسة البصريةشدّدت أشدّ التشدّد في رواية الأشعار والأمثال والخطب ضمن الدائرة المشار إليها،واشترطوا في الشواهد المعتمدة لوضع القواعد أن تكون جارية على ألسنة العرب وكثيرةالاستعمال في كلامهم بحيث تمثّل اللغة الفصحى خير تمثيل، وحينما يواجهون بعض النصوصالتي تخالف قواعدهم، كانوا يرمونها بالشذوذ أو يتأوّلونها حتى تنطبق عليهاقواعدهم. المدرسة البصرية تعتبر هيالأكثر انجاباً للعلماء في اللغة والأدب وأيضاً الشعراء، منهم : أبوعمرو بن العلاء والأصمعي ويونس بنحبيب والخليل بن أحمد الفراهيدي .كذلك  خلف الأحمر، أبوعبيدة، الجاحظ، وحماد الراوية، وأبونؤاسوغيرهم. ومن العلماء المتقدمين فيها أيضاً: سيبويه، والأخفش، قطرب، واليزيدي، ابن سلام، وأبوحاتم السجستاني. ثم غيرهم من العلماء المتأخرين، مثل: المبرد، وأبوعثمان المازني، الزجاج، ابن السراج، ابن دريد. وكانت البصرةتفاخر الكوفة بأربع كتب : ((كتاب الحيوان للجاحظ / كتاب البنيان والتبيين للجاحظ/كتاب العين للخليل بن أحمد / كتاب الكتاب لسيبويه)).

مدرسة الكوفة، فقد كانتمدينة الحديث والعلماء والفقه، منهم أبوحنيفة والمذهب الحنفي. أن نشاطها بدأ متأخراً عند الكسائي الذي استطاع هو وتلميذه الفراء أن يستحدثافي الكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية، وبسط القياسوقبضه، ووضع بعض المصطلحات الجديدة، والتوسع في تخطئة بعض العرب، وإنكار بعضالقراءات. وقد توسعت في الرواية عن جميع العرببدواً وحضراً، واعتدّوا بأقوال وأشعار المتحضّرين من العرب ممّن سكنوا حواضرالعراق، واعتمدوا الأشعار والأقوال الشاذّة التي سمعوها من الفصحاء العرب والتيوصفها البصريون بالشذوذ. وكان أبرز علماء الكوفة :

الكسائي، أبوعمرو الشيباني، علي بنالمبارك، والفراء، وغيرهم. ومن المتأخرين :أبوالعباس بن ثعلب... ابن الأعرابي... ابن السكيت... أبوجعفر الكوفي... نفطويه... وأبوبكر الأنباري. وكانت الكوفة تفاخرالبصرة بـ سبع وعشرين ألف مساءلة لمحمد بن الحسن تلميذ أبو حنيفة في القياسوالكلام. وكان علماء الكوفة يندمجون مع علماء بغداد لتقارب المدرستين.

المدرسة البغدادية، قد قامت على الانتخاب منآراء المدرستين (البصرية و الكوفية) مع فتح الأبواب للاجتهاد، والوصول إلى الآراءالمبتكرة. ولم يتخلص علماء هذه المدرسة من نزعتهم إلى إحدى المدرستين السابقتين، أوميلهم إلى مناهجها أكثر من ميلهم إلى المذاهب الأخرى، أو إلى الاستقلالعنهما.

وقد توسع بعض أعلام هذه المدرسة في الأخذ والاستشهاد بأشعار الطبقة الرابعة، فقد استشهد الزمخشري بشعرأبي تمام ت 231 هـ وقال : هو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماءالعربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، واستشهد الرضي الأسترآبادي شارحأبيات كافية ابن الحاجب بشعر أبي تمام أيضاً في عدّة مواضع من شرحه. (نقلا عن كتابالانباري الانصاف). أن أشهر علماء هذه المدرسة :ابن قتيبة الدينوري... أبوبكرالصولي... ابن البهلول... الزمخشري... أبواسحاق الموصلي... أبوهفان... النحاس ...أبوسعيد السيرافي... أبوالقاسم الزجاجي... أبوالحسن الرازي... الرماني... وعلي بنعيسى الربعي... الخطيب التبريزي، وغيرهم من العلماء.

ثم ظهرت بعد ذلك المدرسة الأندلسية بدءاً من القرن الخامسالهجري، ومثلها المدرسة المصرية، إلاّ أن علماءهما لم يكونوا إلاّ تابعين لعلماءالبصرة أو الكوفة أو بغداد، ولم يتجاوزوا الاجتهاد في الفروع.

المصادر
ـ الموسوعة العربية العالمية
ـ دروس في المذاهب النحوية / عبده الراجحي / دار النهضة العربية / بيروت
ـ نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة / محمد طنطاوي

ـ المدارس النحوية / شوقيضيف

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

دور الترجمة من السريانية

 

في تطوير اللغة العربية

 

 

 

اعداد: د. زاهية النجفي

 

 

السريانية

 

ان تاريخ اللغة العربية يكشف لنا بأنها في كل مراحلها ظلت تنمو في أحضان اللغة الآرامية (السريانية) الام. فبالاضافة الى أنها قد ولدت في أحضان السريانية، كذلك تراها قد ترعرعت وأصبحت لغة علوم وآداب وفلسفة في أحضان السريانية، سواء في دمشق الاموية أو بغداد العباسية. هنا نسجل هذا المقطع الذي يتحدث عن تأثير حركة الترجمة في العصر العباسي التي قامت بها نخبة من سريان العراق:

((كان لحركة الترجمة ــ التي أولاها الخلفاء في بغداد وسامراء رعاية خاصة وشجعها رجال الدولة العربية وأعيانها، فنشطت وازدهرت في خلال القرن الثالث ــ أهمية خطيرة في مسيرة الحضارة العربية. فقد ساعدت العلماء والدارسين على أن يتعرفوا على ثقافة الأمم السابقة وعلومها، في حقول الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وأحكام النجوم وغيرها، وأن يلموا بها وينهلوا منها مما وسَّع آفاق تفكيرهم العلمي بما يناسب المستوى الحضاري الذي وصلوا اليه.. فأفادوا منها كثيراً في مختلف العلوم وبخاصة في الطب والفلسفة وعلم الفلك. فقد استفاد الأطباء مما اطلعوا عليه من كتب التشريح العديدة مما ترجم لأبقراط وجالينوس وغيرهما، لأن الدين الاسلامي لا يبيح المثلة بالانسان حياً أو ميتاً. فكانت هذه الترجمات خير ما وضح لهم مبهمات هذا الموضوع. كما أخذت مصنَّفاتهم الطبية تعكس جوانب عديدة من الطب اليوناني. فإن ما صنفه يوحنا بن ماسويه، وحنين بن اسحاق، وأبو بكر الرازي، وغيرهم من علماء الأطباء، كان متأثراً بما جاء في كتب جالينوس الى حد كبير. كذلك انتفع رجال الدين وبخاصة علماء الكلام منهم، بكتب الفلسفة والمنطق والجدل. وقد ظهرت آثار ذلك على عدد غير قليل منهم. وكان علماء المعتزلة أكثر استفادة من غيرهم فصاروا أقدر على الجدل والمناظرة. وغدا تأثير الفلسفة اليونانية ومنهجها واضحاً في تفكير رجال مختلف المذاهب الاسلامية وأعمالهم. وكان الكندي فيلسوف العرب يحذو حذو أرسطو في منهجه الفلسفي وفي تصانيفه الفلسفية.

ومن النتائج المهمة الأخرى لحركة الترجمة أن ظهرت حركة تأليف في بعض فنون المعرفة. فقد بدأ المترجمون يضعون الرسائل والكتب ليستعملها الطلاب، وهي بشكل ملخصات في شتى أنواع العلوم وبخاصة الطبية منها. ثم ما لبثت هذه الحركة أن توسعت بين العلماء العرب الذين أخذوا يكتبون على أسس متينة من المعرفة. فقد ظهرت في الطب والفقه والتاريخ واللغة مثلاً، كتب كثيرة وبعضها بعدة أجزاء بحيث كان بعضها أشبه بالموسوعات. كما كان المؤلف الواحد يصنف عشرات الكتب في مختلف المواضيع مدلّلاً على سعة معرفته وتفننه بمختلف العلوم. فقد صنف الكندي ما يزيد على 250 كتاباً في الفلسفة والجدل والمنطق والرياضيات والفلك والطب والسياسة وغيرها. وقد دلّل في أكثرها على اطلاع واسع ومعرفة عميقة. وصنف محمد بن زكريا الرازي عميد الأطباء ما يزيد على 230 كتاباً في الطب والصيدلة والكيمياء والفلسفة والرياضيات والفلك وأحكام النجوم وغيرها. وهي أيضاَ تدل على سعة علمه وعمق تفكيره. وصنف ثابت بن قرة الرياضي الفيلسوف ما ينيف على السبعين كتاباً في فنون مختلفة.

ولم تقتصر حركة التأليف ووفرة ما صنف من الكتب على المواضيع التي عالجها الفلاسفة والأطباء والرياضيون فحسب، بل تناولت العلوم القرآنية من تفسير وقراءات، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه والكلام. اضافة الى ما صنف في التاريخ والجغرافية وأحوال البلدان. أما في ميدان اللغة والشعر والأدب عامة فقد نبغ شعراء مفكرون مجددون الى جانب أساتذة الأدب واللغة المتقدمين. فإن ما صنفه الطبري وابن قتيبة والجاحظ وأبو حنيفة الدينوري، وغيرهم من علماء هذا القرن وأدبائه لجدير بالاعجاب سواء من حيث كميته أو نوعيته. ولكن مما يؤسف له أن هذا العدد العظيم من الكتب المصنفة والمترجمة لم يصلنا منه سوى النزر اليسير، إذ ضاع القسم الأعظم بفعل عوادي الزمن المختلفة، ولم يبق من تلك الكتب سوى عناوينها وأسماء مصنفيها بفضل محمد بن اسحاق المعروف بأبن النديم المتوفى سنة 380 في كتابه القيم (الفهرست) .

من كتاب (معالم الحضارة العربية ــ أحمد عبد الباقي ـ مركز دراسات الوحدة ـ بيروت1991 ــ ص 286ــ287).

المغالات بالحديث عن الترجمة من الفارسية

 

رغم العناوين الكبرى عن دور (الفرس) في صنع الحضارة الاسلامية، إلاّ أن تفاصيل التاريخ تكشف لنا مدى المبالغة والطنين المفتعل عن دور الفرس، على حساب التجاهل لدور المشارقة السريان من عراقيين وشاميين. هنا نورد مقارنة سريعة عن دور الفرس والهنود مع دور السريان في إحداث النقلة الحضارية الكبرى من خلال حركة الترجمة التي تمت في بغداد العباسية :

 

الترجمة من اللغتين الفارسية والهندية

 

هناك ظاهرتان بارزتان في موضوع حركة الترجمة تستحقان الوقوف عندهما قليلاً لمعرفة أسبابهما. الأولى عدم الاهتمام بكتب تاريخ أمة اليونان وأدبها، والثانية عدم النقل من التراث الفارسي والهندي إلاّ ما ندر. إن سبب عدم نقل شيء يستحق الذكر من كتب تاريخ اليونان وأدبها واضح، وهو أن ما يحتويه هذان الموضوعان من الأساطير بعيد عن العقلية العربية، وما يشوبهما من الوثنية وتعدد الآلهة يعتبر كفراً يخالف روح الإسلام. أما النقل من اللغة الفارسية فقد كان ضئيلاً جداً قليل الأثر. وسبب ذلك كما نرى، أن الفرس لم يكن لهم تراث طبي يستحق النقل لغلبة الطب اليوناني عليه. وان تراثهم الأدبي والتاريخي محشو بالأغاليط والخرافات والمبالغة مما لا يستسيغه العقل. يقول المؤرخ اليعقوبي: (فارس تدّعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها، من الزيادة في الخلقة حتى يكون للواحد عدة أفواه وعيون، ويكون للآخر وجه من نحاس، ويكون على كتفي آخر حيّتان تطعمان أدمغة الرجال، وطول المدة في العمر، ودفع الموت عن الناس، وأشياء ذلك مما تدفعه العقول ويُجري فيه مجرى اللعبات والهزل، ومما لا حقيقة له). أما تراثهم الروحي فقد كان ثنوياً يقوم على الزعم بأن النور والظلمة أزليان، وذلك مما يعتبر شركاً في الإسلام. سبق أن أشرنا الى أن حركة الترجمة كانت بدأت بنقل الكتاب الهندي السد هانت في علم الفلك عند الهنود. وكانت ترجمت بعض الكتب في الرياضيات وبخاصة في الحساب.

 

أبرز المترجمين السريان وما ترجموه من الكتب

 

لقد كانت حصيلة حركة الترجمة أن نُقل الى اللغة العربية واللغة السريانية كثير من كتب اليونان وغيرهم في الطب والفلسفة والرياضيات. وهي العلوم التي نالت اهتمام العلماء العرب آنذاك (بحيث لم يعد باقياً الشيء الكثير من العلم المعروف في عالم ذلك الزمن. ولم ينقل الى العربية). وقد أحصى ابن النديم والقفطي وابن أبي أصيبعة جانباً مهماً من تلك الكتب مع مترجميها مما تيسرت لهم معرفته. وفيما يأتي نذكر أبرز مترجمي القرن الثالث وأهم ما ترجموه من الكتب :

 

حنين بن اسحق

 

أبو زيد العبادي، كان ماهراً في الترجمة الى جانب مهارته في الطب. وقد انصرف الى ترجمة الكتب اليونانية وإخراجها باللغة العربية أو السريانية، إذ كان فصيحاً في اللسان اليوناني واللسان العربي (دخل الى بلاد الروم لأجل تحصيل كتب الحكمة وتوصل في تحصيلها غاية إمكانه، وأحكم اليونانية عند دخوله الى تلك الجهات، وحصل نفائس هذا العلم). كان في بيت الحكمة قسم خاص بالترجمة، فأناط المأمون رياسته بحنين ليتولى شؤون الترجمة والإشراف عليها. وبلغ من حرص حنين واهتمامه بما أوكل إليه أن تولى بنفسه ترجمة عدد كبير من الكتب الى العربية أو السريانية، كما كان يعيد النظر فيما يترجمه غيره من النقلة ويصلحه، بحيث يمكن القول إن جميع ما ترجم في بيت الحكمة في عهد حنين قد عرض عليه وراجعه وأجرى فيه ما رآه ضرورياً من التصحيحات قبل صدوره. وقد أولى المأمون حركة الترجمة عناية فائقة، فكان يتابع أعمال حنين ومن معه. ويقول ابن أبي أصيبعة أنه رأى عدداً من كتب جالينوس وغيره بخط الأزرق كاتب حنين وعلى بعضها هوامش بخط حنين باليوناني، على تلك الكتب علامة المأمون. ويستدل من رسالة حنين أن ما ترجمه من كتب جالينوس الى السريانية جاوز المئة كتاب، وما نقل منها الى العربية تسعة وثلاثون كتاباً، وهي في الطب والفلسفة. ويتضح من قائمة ابن النديم بما ترجم من كتب جالينوس وشروحه على بعض كتب أبقراط، أن حنيناً ترجم أغلب الكتب الستة عشر التي يقرأها طلاب الطب على التوالي من كتب جالينوس. وترجم حنين بن اسحاق من كتب أرسطو مايلي : كتاب قاطيغورياس (المقولات) الى اللغة العربية، وكتب باريارمانياس أو باريرمينياس (العبارة) الى اللغة السريانية، وقسماً من كتاب انولوطيقا الأول (التحليل) الى اللغة السريانية، وبعض أقسام من كتاب انولوطيقا.

 

ثابت بن قُرَّة

 

كان ثابت بن قرة الحرَّاني الرياضي الفيلسوف المتوفى سنة 288 ممن برعوا في الترجمة وبرزوا فيها. ويظهر من عدد الكتب واختلاف مواضيعها مما نقله الى اللغة العربية من اللغتين اليونانية والسريانية، انه كان يجيد هاتين اللغتين الى جانب اللغة العربية. يقول القفطي عنه: (وأما نقله من لغة الى لغة فكثير). ويقول ابن أبي أصيبعة: (كان جيد النقل الى العربية، حسن العبارة، قوي المعرفة باللغة السريانية وغيرها). ويقول عنه المستشرق أوليري: (وهو عالم يعرف اللغة الاغريقية والسريانية والعربية). وجاء في تراث الاسلام عنه (كان ثابت يعرف اللغتين السريانية واليونانية اضافة الى العربية فترجم الكثير عن هاتين اللغتين الى العربية). وجاء في تراث العرب العلمي (كان ثابت يحسن الى جانب اللغة العربية اللغات السريانية واليونانية والعبرية، ولما عمل في نقل بعض الكتب من اليونانية أبدى كفاية عالية بحيث عدّ من كبار المترجمين).

 

اسحاق بن حنين

 

تعلم اسحق صنعة الطب ومارسها بمهارة فكان واحد عصره فيها. وكان يجاري أباه حنيناً في سعة معرفته باللغة العربية واللغتين اليونانية والسريانية، بل كان يزيد عليه فصاحة، وقد عمل معه في الترجمة فتميَّز بصحة النقل وجودته، إلاّ أن نقله للكتب الطبية قليل جداً بالنسبة الى ما نقله من كتب الحكمة. لحقه الفالج آخر عمره وبه مات في ربيع الآخر سنة298 .

 

حبيش بن الأعسم

 

هو ابن أخت حنين بن اسحاق وقد درس عليه صنعة الطب. وأتقن اللغتين السريانية واليونانية الى جانب اللغة العربية، وحذا حذو خاله في الترجمة من حيث الدقة وأكثر نقله من اللغة السريانية، وكان حنين يقدمه ويثني على نقله. وكان ممن ينقلون الكتب الى اللغة العربية لأبناء موسى بن شاكر. يقول عنه ابن أبي أصيبعة (هو ناقل مجود يلحق بحنين واسحاق).

 

قسطاً بن لوقا البعلبكي

 

كان بارعاً في علوم كثيرة منها الطب والفلسفة والهندسة والموسيقى، فصيحاً باللغتين اليونانية والسريانية وباللغة العربية، جيد النقل، وقد نقل عدداً من الكتب وأصلح نقولات كثيرة. دخل بلاد الروم وجمع عدداً من التصانيف القديمة وعاد الى الشام. ويقول أوليري أنه تعلّم في بلاد الإغريق ولذا امتاز بالترجمة. وقد استدعي الى العراق ليعمل في الترجمة. ويعتبر قسطاً من فلاسفة المترجمين ومن مترجمي بيت الحكمة المشهورين وقد عمل بمعية حنين بن اسحاق. توفي قسطاً في أرمينيا حوالي سنة300 .

 

متى بن يونس

 

أبو بشر من أهل دير قُنَّى، أحد الأديرة القريبة من بغداد، ودرس في مدرسة مار ماري التابعة لهذا الدير، عاش ببغداد ودرس كتب أرسطو في المنطق على ابراهيم القويري. واليه انتهت رياسة المنطقيين في عصره، وصنف عدداً من الكتب والتفاسير في المنطق، ودرس عليه هذا العلم عدد كبير من الطلاب، وكانت وفاته ببغداد سنة328 . ترجم أبو بشر الى اللغة العربية كتب أرسطو في المنطق والطبيعيات منها: كتاب انولوطيقا الثاني (البرهان) نقله من السريانية، وكتاب سوفسطيقا (المغالطة) نقله من السريانية، وكتاب أبوطيقا (الشعر) نقله من السريانية كذلك، وكتاب الكون والفساد بتفسير الاسكندر الأفروديسي، وكتاب الآثار العلوية، ومقالة اللام من كتاب الإلهيات.

 

أبو عثمان الدمشقي

 

سعيد بن يعقوب من أهل دمشق سكن بغداد واشتهر بها طبيباً في أواخر القرن الثالث، وكان منقطعاً الى أبي الحسن علي بن عيسى وزير المقتدر بالله، وقد أناط به رياسة البيمارستان الذي أسسه في سنة 302 في محلة بالجانب الغربي من بغداد وأنفق عليه من ماله، ثم أضاف الى أبي عثمان رياسة جميع البيمارستانات في بغداد ومكة والمدينة. ولأبي عثمان الدمشقي عدد من التصانيف الطبية، وكان من النقلة المجيدين الى اللغة العربية. وذكره ابن النديم في قائمة المترجمين. وكان فصيحاً باللغتين اليونانية والعربية معتمد النقل.

نقل الى العربية مقالات من أصول الهندسة لإقليدس، وكتاب طوبيقا من ترجمة اسحق بن حنين الى السريانية. كما نقل قسماً من السماع الطبيعي، وكتاب الكون والفساد من الترجمة السريانية، وكتاب المدخل الى القياسات الحملية لفرفوريوس.

 

عيسى بن يحيى بن ابراهيم

 

أحد تلاميذ حنين بن اسحاق، وقد درس عليه صنعة الطب، وعمل معه في الترجمة في بيت الحكمة، وكان من الناقلين المجودين من اليونانية الى اللغة العربية وقد أثنى حنين على نقله، وكان عيسى يقلده في الترجمة، وله مصنفات في الطب.

ساهم عيسى بن يحيى في حركة الترجمة مساهمة فعالة فنقل عدداً من الكتب من اليونانية أو مما ترجم منها الى السريانية. ومما نقله الى اللغة العربية: كتاب السبعين مقالة للطبيب اليوناني أوريباسيوس، من اللغة السريانية. ونقل مما فسره جالينوس من كتب أبقراط: كتاب عهد أبقراط وكان حنين نقله الى السريانية وأضاف اليه، فترجمه عيسى بالاشتراك مع حبيش، وكتاب الأمراض الحادة، وكتاب الفصول، وكتاب الأخلاط. وفسّر القسم السادس من كتاب ابيذيميا، كما فسّر كتاب طبيعة الانسان وكان حنين قد نقل نصه الى العربية.

 

اصطفن بن بسيل

 

من الكتّاب النحارير الحاذقين في الترجمة ممن عينهم المتوكل على الله ليعملوا بمعية حنين بن اسحاق عندما أناط به رياسة بيت الحكمة. ويظهر أنه كان جيد النقل، يقارب في نقله حنين بن اسحاق ولو أنه كان دونه فصاحة.

))المصدر السابق ــ ص 272 ــ 286)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 


هوامش القسم الاول من الملف: الساميون والعرب، أصلهم من العراق والشام أم من الجزيرة العربية؟!


* نستخدم تسميات: (العراق والشام / العراق وسوريا / الهلال الخصيب / المشرق / الشمال)، مترادفات بمعنى واحد.

 

1. (اجرى اللقاء أحمد بزون / جريدة السفير (2007/10/26) منشور أيضاً في :http://www.alnahdah.org/doc07102610.htm

2.(لقد فصل هذه الاشكالية الباحث العراقي فاضل عبد الواحد في كتابه: من سومر الى التوراة / ص 43 ـ47)/ كذلك راجع حضارة العرب / احمد سوسة / الذي اطلق تسمية (عرب) على الشعوب السامية.

3. تاريخ اللغات السامية أ ــ ولفنسون ص 4 ــ 5.. كذلك راجع التاريخ القديم للشعب الاسرائيلي ــ توماس طومسن ــ ص121 ــ124 .

4 . (آرام دمشق واسرائيل / فراس السواح / ص16

la Mesopotamie/Georges ROUX/P 136-138).5

(Georges ROUX/P48/57).6

7.(آرام ودمشق واسرائيل/ فراس السواح / ص15).

(Georges ROUX/P 82-85).8/ كذلك الهامش في صفحة 71/2 :370))

9. السواح ـ نفس المصدر ـ ص17.

10. عن البادية العراقية ـ الشامية، راجع: تاريخ سوريا / فيليب حتي ج 2حتي 46/ كذلك ـ بادية الشام / كريستينافيلبس غرانة / كذلك ـ البدو والبادية / جبرائيلسليمان جبور.

11. تاريخ سوريا/ فيليب حتي ج2 ص70 ـ 71

12. ـ تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ فيليب حتي / ج2 ص55 و71

13. (فراس السواح / ص79).

14 . عن تدجين الحصان والجمل، راجع:

ـ تاريخ البشرية / ارنولد توينبي / الجزء الاول ص204 / الجزء الثاني ص81 / الدار الاهلية / بيروت 1988

ـ الغرب والعالم / كافين رايلي / القسم الاول ص126 / عالم المعرفة / الكويت1985

ـ ارتقاؤ الانسان / ج. برونوفسكي / ص34 /عالم المعرفة / الكويت

15. أللآلئ السريانية / قاموس سرياني عربي / جوزيف اسمر/ مطبعة العلم / سوريا 1991

16. (دراسات في تاريخ الثقافة العربية / مجموعة مؤلفين سوفييت / دار التقدم ـ موسكو ـ 1989 ص 24/ كذلك: غريازنيفيتش / شبه الجزيرة العربية والعرب / موسكو 1977 ص 4252 -).

17. (راجع موسوعة ويكيبيديا: قطر، البحرين، عمان، الخليج)

18. تاريخ اليمن القديم / محمد بافقيه / ص 51/ المؤسسة العربية / بيروت1985

19 . (فراس السواح/ ص83).

20 . حول تفاصيل تسمية (عرب) راجع : المفصل في تاريخ العرب / الفصل الاول.

21 . (تاريخ اللغات السامية / أ. ولفنسون / ص165 ).

22. (المفصل / الفصل الاول)

23 . (فيليب حتي / ج2 / ص382)

24. أللآلئ السريانية / قاموس سرياني عربي / جوزيف أسمر / مطبعة العلم / سوريا 1991

25. (المفصل / الفصل الاول)

26 . حول اهمية التيماء راجع: (د.هديب غزالة / مجلة ميزوبوتاميا / بغداد / عدد 7/ 2006www.mesopotamia4374.com/adad7/fahrast7.htm). كذلك :326(Georges ROUX/P / كذلك: تاريخ سوريا / ج2 ص 189 ـ 239 ـ 300

27 .(محاولة في فهم الشخصية / محمد مبارك / ص 21 ــ 24).

28. (حصاد الفكر في اللغة العربية / لجنة باحثين / ص 258 ــ286 )

29. (تاريخ اللغات السامية / أ. ولفنسون / ص134ـ137)

30 . (من سومر الى التوراة / فاضل عبد الواحد علي / ص 188ـ193 )

31 . (نظريات في اللغة / أنيس فريحة / ص67)

32. (انيسة فريحة / نظريات في اللغة / دار الكتب / بيروت1937/ ص66 ـ67)

33. (الكثير من الباحثين يتفقون على هذا: تاريخ اللغات السامية / أ. ولفنسون / ص166 )

34. (راجع كتاب الأختصاص للشيخ المفيد / ص 264 . وتفسير الميزان - السيد الطباطبائي :7 /181 ).

35. حول تعريب سكان الشام، راجع )تاريخ سوريا ــ فيليب حتي ــ ج2 ــ 21 ــ 23/ ثم ص 171حول تعريب سكان العراق / راجع (تاريخ العراق الاقتصادي) / عبد العزيز الدوري / ص 31ــ32 و 76ــ77 / كذلك كتابنا(الذات الجريحة / الفصل الثاني).

 
Design by computer2004.nl